1. هذا الموقع يستخدم ملفات تعريف الارتباط (الكوكيز ). من خلال الاستمرار في استخدام هذا الموقع، فإنك توافق على استخدامنا لملفات تعريف الارتباط. تعرف على المزيد.

الكاتب الكردي قدري جان - قصص ومقالات

الموضوع في 'واحة الأدب والفنون - Literature' بواسطة kobani, بتاريخ ‏14/4/09.

  1. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    الكاتب الكردي قدري جان - قصص ومقالات
    إن وجدت الصرخة، فالشكوى تليها
    إلى أخي عثمان صبري .
    ليلة ظلماء، تعجز العين عن الرؤية... يقطع الصقيع أقدامي العارية كسكين، تصفر الريح الهوجاء أحياناً في أذني. لا أعرف إلى أين تقودني قدماي؟ لكن أعرف طريقي من خلال خطوات عكازي. هكذا أمشي. منذ عدة أيام لم يفارقني الثلج والزوابع... نعم الليلة أيضاً مظلمة، يتساقط الثلج عليّ بغزارة تحتضنني العاصفة الثلجية. ارتجف من البرد، عبث وهراء هذا البرد.
    أتجمد.. لاأستطيع الحركة... لم يصدر مني صوت. تناهى إلى سمعي صراخ صوتٍ شاك. ماهذا الصوت؟ أفتح عينيّ لا أميز مصدر الصوت. لكني أعرف هذا الصوت، كان صوت ابني (أبي.. أبي).
    ـ نعم يا بني . . . أين أنا ؟
    ـ أبي. . . أنت في البيت . لماذا لا تفتح عينيك!
    فتحت عيني خائفاً. وجدت نفسي في بيتي، بين أولادي، وعلى فراشي. وقد جلس ابني (هيم كران) أمامي وقال: أين كنت عندما احتل العثمانيون بلادنا ؟. . تكاتفنا نحن الشباب، هزمنا أعداءنا، بنينا وطننا، وشيدنا بيتنا. قلنا يجب أن يأتي والدي، لكنك لم تأتِ. وقد رأيت حلماً، كنت فيه في مأزق... تستغيث بنا.
    حزمت امتعتي، قطعت الجبال والوديان.. ووصلت. رأيت أن والدي يرتجف من البرد، والثلج يتساقط. لقد تجمد كل شيء فيك، قلبك الوحيد الذي كان ينبض، ايقظت والدي.. اعطيته كتبي، وسلكنا طريق البيت، جئنا منذ عدة أيام. . . هيا انهض، كي تبقى أنت المربي. . . وعماد البيت.
    كم هي جميلة هذه الحياة
    بين الأهل والأخوات،
    وهل القلب لايئن
    من جروح الرماح،
    هذا الجرح جرح الرماح،
    يثقل كاهلنا
    و بلا كبد وفؤاد
    أخوات المفجعات
    هذه صرختنا
    والنوم ضرر وبلاء
    نحن لا نشك أبداً
    في نصائح الخلان.
     
  2. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    *مجلة هاوار العدد /1/ السنة 1932 الصفحة 5، 6.
    القــرية المـحدثة
    أنهار تجري بين البساتين المزروعة بكافة أنواع الاشجار المثمرة، تحلق أنواع الطيور ثم تحط على الأشجار، يغرد كل طير لحناً شجياً يبعث في النفس الحزن ويمزق داخلي، إنه شحرور، جميل الشكل شجي اللحن، يبعث الراحة في قلبي والضياء في بصري.
    تقع قريتي بين تلك البساتين الجميلة مع خمسة عشر بيتاً، إنه مأوانا ومضافة القرية ، نجتمع فيها بعد العشاء أحياناً، ونتمدد على مروجها، كنا فرحين للأحاديث الجميلة، وكان البستان مصدر سرورنا.
    لماذا لايمكن للمرء أن ينسى الوطن المثخن بالجراح؟ كنا نقول: لا نملك أبواباً ومنافذ، لذا كان الجرح يدغدغنا في كل خطوة ويذكرنا بالوطن، نفور ونتحمس من أجل الماضي. ماذا نريد هذه المرة ؟ القرية هي قريتنا، والبستان بستاننا، وكل شيء فيها لنا .
    هل يجوز هذا ؟ تعالوا مرة واحدة فقط وانبشوا داخلي، أخرجوا منه القلب، فتتوه إلى قطع صغيرة، ستلاحظون أن القطع الصغيرة تتكلم، وستبكي معها.. أعرف تماماً أنكم لن تتمالكوا أنفسكم ولن تستطيعوا ايقاف السيل الجارف من دموعكم التي تجري مع نهر الفرات أميالاً.
    عندئذ ستدركون أنني لست عاشق جمال الشحرور فقط، بل عاشق صوته الشجي أيضاً، لأن حياتنا واقعة بين منقاره الشجي، تنتهي بإنتهاء الاغنية الحزينة .
    كونوا أصحاب القرية المحدثة فهي قريتكم، فالنجدة والبشرى لمدينتكم.
    __________________________________
    *مجلة هاوار العدد /2/ السنة 1932 الصفحة 6 .


    ســــليمان بك بدرخان
    سليمان بك هو ابن خالد بك بدرخان، ولد عام 1890م في المنفى، بعيداً عن الوطن، درس في المدرسة السلطانية في اسطنبول، كان شاباً ذكياً متعقلاً وسيماً، يحب شعبه كثيراً.
    أخبرني مؤخراً أحد أصدقائي أن له قصيدة. وقد كتب هذه القصيدة حول كردستان، والوطن. أردت أن أحيي ذكرى سليمان بك وتجربته في هذه الزاوية حفاظاً على ألاّ يضيع اسمه أيضاً وننقذه من الضياع.
    أصبح حبه لوطنه ايماناً، كما يقول في قصيدته في البيت التالي:
    حب الوطن من الإيمان
    آه كردستان ، آه كردستان
    حسرة الوطن أصبحت له داءً مزمناً.
    احترق القلب من عشق الوطن
    الروح والجسم تعفن
    مهما كانت بلدان العالم جميلة. لكن وضع الزوزان كان له مكانة أخرى في القلب.
    مهما كان الوطن عذباً /حلواً
    فبلاد الزوزان أجمل /أعذب
    عندما ينبعث الأنين والحسرة من القلب ، يكتب في القصيدة:
    ألف آه ، من التفرق
    ألف آه ، من التمزق.
    لم يشهد أحد لكتاباته (لشعره) قرر أخيراً:
    إلى متى تدوم الغربة
    لنذهب إلى الشعب
    اتجه إلى الوطن والاصدقاء والاحباب دون وجل:
    دافع كثيراً في سبيل أن يرى الوطن. وقد يسر له الله الطريق. زرع روح الكردية بين شباب الأكراد. علمهم القراءة والطريق الصحيح. لكن للأسف، لم يكمل طريقه، قضى نحبه في منتصف الطريق وكان ضحية، القنابل التركية، تحدى جسمه حراب الاتراك وارتفع.
    نعم قدم سليمان بك حياته بشجاعة في سبيل وطنه. كان يبلغ من العمر /22/ عاماً، لكنه لم يأخذ معه حسرة الوطن. ولم يكمل طريقه إلى النهاية لكنه نصَّف المشوار، وأصبح فكره وتجاربه درساً للشباب الأكراد، درساً ذا عبرة لايمكن نسيانه.
    اما اليوم فكل الشباب الذين يعرفون سليمان بك يحلفون برأسه ، ويريدون أن يدافعوا في سبيل الوطن كما فعل سليمان بك. إن لم يسيروا على هدى سليمان بك ، فلن تهدأ روحه. فلينزل الله أمطار رحمته عليه ولنطلب الرحمة والغفران له.
     
  3. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    ____________________________________
    *مجلة هاوار العدد /3/ السنة 1932 الصفحة 4، 5.
    البصرى الذهبية
    إلى مرشدنا الكبير قدري بك المحترم.
    بصرى الذهبية مدمرة، و(كوتو ماكسو) مهزوم
    جبل تورجل أقْفـرَ من طيور (باز بلك)
    ونبع(كانيا هنارى)، وديريك الجميلة ذليلة
    كلهم ثمالى من الهموم وينتظرون النجدة.
    لم يأت اليوم ماكس أمير بصرى إلى المضافة. ظل جالساً في طرف قصي من البيت على المعطف القزويني، واضعاً رأسه بين كفيه، محتاراً شارد الفكر.
    وعندما وجد أهله في هذه الحالة، لم يتجرأ أي شخص الاقتراب منه، وكأن شيئاً خطيراً حدث له، إنه عصبي، بقي فترة زمنية شارد الفكر، محتاراً، لايتفوه بكلمة، ولا يرفع رأسه. عندما استيقظ من غفلته، كان في حالة يرثى لها، متهدل الشاربين، محمر العينين، مكفهر الوجه، وقف شعره كشوك القنفذ. . . صرخ على ابنه شاول.
    ـ شاول... شاول... أمير برج ماتينه يتطاول علينا كثيراً، لقد أصبح شوكة ينخز حياتنا، وخاصة في الفترة الأخيرة، وعلاوة على ذلك يريد أن يُكره أختك بيروز على الزواج على الرغم منا. أنا ماكس أمير بصرى، لم أزعج أحداً حتى الآن، وخاصةأمير برج ماتينه... لقد ارسل لي رسالة... هذه هي .
    يقرأ شاول رسالة أمير برج ماتينه Birca Metina :​
    برج ماتينه ـ 10 ـ 7 ـ 1200
    ماكس:
    هذه رسالتي الرابعة، ولتعلم أنها الأخيرة. لم ترد على رسائلي حتى الآن. إن الله كبير وعليم مافي القلوب، وعلى عدم اهتمامك لرسائلي. يبدو أنك لاتصدق أنني سأصدر قراراً (فرماناً) على شعب ماتينه fermana Metinan بشأن الهجوم على بصرى، مدينتكم المفضلة العزيزة على قلبك كثيراً... نعم سأدمرها. وإذا كنت لا ترى أن بيروز تناسبني، فأنا سأخذها رغماً عنك. . . ماذا تقول بعد ذلك؟.
    ميرزا بيروز
    * * *​
    قرأ شاول ماكس الرسالة بلهفة وغضب عارمين، ارتعب من اللهجة القاسية، فجأة نظر إلى والده وقال :كتبت هذه الرسالة بغطرسة المتكبر وعنجهية الواثق من نفسه... ليكن... المقاومة مفتاح الحياة. سنقبل تحديه السافر. فكر ماكس كثيراً. يعرف نفسه تماماً أنه ليس لقمة سائغة/سهلة أمام أمير برج ماتينه. الانسحاب عار عليه، وخاصة في موضوع الشرف. وسيجلب له الويلات. قال لابنه يائساً:
    تسلحوا .. وزعوا السلاح على الشعب. جهزوا أنفسكم للمعركة القادمة... سنترك جثة ميرزو في البراري. أخبره برغبتنا. وارسل إليه رسالة تحدٍ.
    * * *​
    غضب أمير برج ماتينهBirca Metina من الرسالة واللهجة القاسية. وفوراً أصدر أمراً بشن هجوم على بصرى الذهبية. اندثرت بانيا كاني هنار Baniya Kanihinar بين الأقدام، وامتلأت السماء بالرماح والسيوف، توافد الشباب والفتيان من تورجلTurcel، تركوا أماكنهم، وخيموا حول البصرى. تخندق الطرفان ، وبدأت المعركة.
    * * *​
    كان عشق الأمير ميرزو يطمئن عيون بيروز، والتي كانت تلمع على سطح القصر، وتدق قلبها بحرارة العشق. لم تكترث لمصيبة شعبها وأهلها. لكن كانت قوة الأمير ميرزو مستمدة من رغبتها العارمة، وكانت تتباهى بقوة الأمير ميرزو لذلك تتحرك على القصر ذهاباً وإياباً، ويتموج الحرير على جسمها مثل أمواج البحر، وكأنها تداعب عواطف العاشق ميرزو، وتتمايل ذات اليمين وذات الشمال، يستمد من حركاتها قوة، ويقود الهجوم على والدها وأخيها . العاشق أمامها يحارب . . . يقاتل من أجلها هي .
    خان الزمن الأمير ماكس... لم يعد يائساً، محتاراً، بل أصبح مهزوماً...
    تدمرت مدينة بصرى الذهبية، وخسرت الفتاة بيروز مدينتها وأهلها. بعد المعركة لم يعش ماكس طويلاً، التجأ إلى الجبل . . . . ثم مات قهراً .
    ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *مجلة هاوار العدد /5/ السنة 1932 الصفحة 6، 7.
    قمر أربع عشر / البدر
    اتكأت على المخدة بعد أن اسندت رأسي على يدي، ومددت قدمي اليمنى على الأرض، وكانت يدي اليسرى على ركبتي اليسرى، ثم غبت عن الوعي، لا، بل دخلت مدينة الاحلام والخيال .
    عندما نظرت إلى الأسفل، إلى البحر، كانت نارية قوية تتراقص أمام عيني، ولا أستطيع أن أفتح عيني من شدة نورها، فترسل لهيبها إليّ.
    نعم، كانت النار تشتعل في البحر، وترسل اليّ لهيبها الوهاج، هل يمكن أن يتذكر شيئاً في هذه اللحظة؟. رفعت رأسي ونظرت عالياً، وزع البدر بسمته، ومن شدة انبهار هممت، قال:
    ـ أيها الولد الطيب ، ألم تستطع أن تستيقظ من غفلتك؟ أنا أنتظرك منذ مدة طويلة... كنت بارداً فمنحتك دفئي وحرارتي، وأنقذتك من سكرات الموت. هيا، انهض واسدِ لي معروفاً... لدي شيء يجب ألا أخفيه عنك، لقد اسديت لك جميلاً، ولاتعتقد أنني قدمته لك، إنما من أجلي أنا . . . .
    نعم رأيتك، ولم أرك، تأخرت رغماً عني، اندهشت لرؤية وسامتك وقامتك. لماذا لا أبوح بالسر؟ فأنا لا أملك عقلاً، أيها الطفل المدلل،أنا انتظرك!
    نعم، اذكر أنني كنت بارداً مرتجفاً، مرتعشاً.
    لم يكن البرد بسبب الصقيع، أو بسبب الزوابع الثلجية، أو بسبب عواصف الرياح والأمطار، بل كان البرد من الوحدة، من الوحشة، من الفقر.
    كان دمي متجمداً، يابساً، رد علي القمر وقال: أنا أملك قلبك. . . فانعقد لساني، ومازال القمر ينتظر جوابي، يا إلهي، كيف أجيب! حتى أجعل القمر مسروراً مثلما كان.
    دبت الحركة في لساني، عندما أردت التكلم، لكن ماذا أرى! نعم رأيت غيمة سوداء من جهة الغرب والجنوب، غيمة سديمية، تجلجلت حتى وصلت إلى القمر، وكاد حلقي ان يغص بالكلام، شحب القمر، ثم اختنق.
    استيقظت من الحلم.
    آه... آه... ياجميلتي. . . يا خميلتي، يا عاشقتي، كيف تأتين إلى حلمي ؟ صراحة لم يكن حلماً، أو خيالاً أو قمراً.
    كانت حقيقة، حدثت لجميلتي وعاشقتي، وأنا أعرف الغيمة السوداء .
    أيتها الغيمة السوداء المفسدة، أبعدت عني جميلتي، وتركتني في حيرتي من أمري وغص بك حلقي، ولم تدعي أن أكمل كلامي .
    أصرخ الآن عالياً:خجول أنا، يا خميلتي... أفديك بروحي، وروحي رخيصة بين يديك العبي كما تشائين.
     
  4. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
    *مجلة هاوار العدد /6/ السنة 1932 الصفحة 5، 6.
    أليس كذلك أيها الشعب ؟
    وضعت ثيابي منذ مدة للغسيل عند الكاوي، واليوم، ذهبت لأحضرها.
    كنت أحمل مجلة هاوار، فدخلت المحل، سألني الكاوي:
    ـ ماذا تحمل معك ؟
    قلت بفخر كما كنت أقول لجميع الناس:إنها مجلة هاوار، مجلتنا الكردية. وقد كان جندي تركي يجلس في المحل، نظر إليّ، تمعن أكثر ثم قال بلغته:
    ـ والله وبالله وتالله هذا كذب، كيف تكتب اللغة الكرمانجية، ومن هو الشخص الذي يعرف الكتابة؟
    لقد كانت الكلمات التي تفوه بها الجندي التركي قاسية عليّ، وذات معانٍٍ عميقة، وبنفس الوقت يدل على سوء حظنا.
    كدت أبكي، فبلعت البكاء، لأنني كنت أسمع مثل هذا الكلام من إناس كثيرين، لكن ماذا أقول؟ نحن المسؤولون عن هذه الأخطاء، وكذلك زعماؤنا ومتنورونا!
    لو فسرت كلمات الجندي أستطيع أن أوضح الكثير من المعاني والدلالات، وسأضم هذا التوضيح في فقرتين فقط :
    1 ـ إن الأكراد الذين تعلموا، وتبوأوا مراكز عالية، عندما يلتفتون إلى وراءهم، ينظرون إلى الشعب، فيجدون أنه متخلف جداً، وليس بمستواهم، ومن المخجل أن يقول أحد منهم إن هذا الشعب هو شعبي لأسباب شخصية، وإن تجرأ أحدهم فيحاول أن يتبرأ:(أنا لست كردياً).
    2 ـ بعد أن اعتنق الأكراد الديانة الاسلامية، تمسكوا بها أكثر من الشعوب الاسلامية الأخرى، ودافعوا عنها حتى أصبح منهم مرشدون في الوقت الذي كان الأكراد ينظرون إلى المسلمين نظرة احترام واجلال وربما تقديس أنهم أخوة في الدين. ولكن للأسف لم ينظر الاسلام إلينا نحن الأكراد بعين الرحمة بل استهانوا بحقنا، وقالوا: إن الأكراد طائفة من الجن ومن النور، ولافائدة ترجى منهم والى تهم أخرى، حتى أن الدعاية أثرت تأثيراً كبيراً في شعبنا، لذلك ابتعد زعماء الأكراد ومتعلموهم ومتنوروهم عن الكردية، وأصبحوا علماء ومتنوري الشعوب الأخرى وقدموا لهم التضحية والشجاعة .
    * * *
    ألف شكر وشكر لقد استيقظ شعبنا في كل مكان، وهاهي مجلاتنا وكتبنا تصدر بلغتنا الكردية.
    يجب على شبابنا أن يتعلموا العبر والحكم من الشعوب الأخرى كي يتعرف العالم على الشعب الكردي، وأن يستيقظ الشعب من غفلته ، ومجلة هاوار صرخة من تلك الشجرة .
     
  5. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    ___________________________________________
    *مجلة هاوار العدد /10/ السنة 1932 الصفحة 2.
    ربيــــع ديــريـك
    يبدأ الربيع في ديريك من /25/شباط، وتستمر الرياح العاتية بل تزعج الانسان حتى /15/ آذار. ولو لاوادي (زنار الأحمر) لما وجدت سوى الرياح العاتية. تجلب لنا المطر من البحر الأبيض .
    لو لم تكن الرياح القادمة من (وادي سيور) لما كانت هناك رياح أخرى. يبحث بل يحاصرها أطراف الجبال من الشرق والغرب والشمال مثل القمر ذي الليالي الثلاث.
    توجد خلف هذه الجبال غابات جبل مازي، تستند مدينة ديريك إلى تلك الجبال، وتتجه إلى صحراء عربستان.
    * * *
    عندما يحل الربيع، يجري الدم في عروق جسمي، وتأتي معه حياة جديدة، نمشي أنا وطلاب المدارس ـ كالأسرى الذين افلتوا من السجون على وجه الأرض ـ بحرية ونركض باتجاه المدى البعيد.
    نتحلق حول اساتذتنا، يتعلق البعض منا برقبته ويديه، ومنهم من يقبل وجهه وعينيه، يلتمس منه أن يتجول، ثم نمضي في طريقنا، هل نحن في المدرسة هنا أيضاً ؟
    لا. فنفترق عن بعضنا، يسحبنا اساتذتنا من تحت الصخور الكبيرة كفراخ الحجل. غضب الاساتذة هراء، بل يضحك معنا، ثم نصل إلى بستان ما، نجلس على مرج، و نفطر معاً، وبعدها نبدأ باللعب، ومن مد يده إلى البستان هدده الاستاذ بعصاه، وحركها في وجوهنا ، وقال لنا :
    ـ لا أقول لكم لاتقطفوا ورود الناس، بل لا تدوسوا على زرعهم.
    كان ينصحنا ويرشدنا: (لقد نصحتكم) لا. هذه ليست نصائح. لقد نصحنا في الربيع الماضي المفتش العمومي عارف عباس بل ـ يعمل اليوم في الحسكة كوجيه ومرشد في سبيل نضال شعبنا ـ نعم نصيحة لا يمكن أن تنتسى .
    جمعنا عارف بك ذات يوم، ونصحنا، قال لنا هذه القصة :
    ـ انظروا، إن الحياة جميلة مثل هذا الربيع، يريد القلب أن يعيش في هناء وسعادة، ويتم هذا بالعمل الجماعي والمساعدة، انتبهوا جيداً، نصح ملك ابناءه وهو على فراش الموت، فأعطى لكل واحد من ابنائه عصا صغيرة، وأمرهم أن يكسر كل واحد عصاه بنفسه ، فكسر الجميع، ثم جمع العصي في حزمة واحدة من جديد، وأعطى للأول والثاني والثالث، فلم يستطع أحد منهم أن يكسر حزمة العصي بمفرده، عندئذ قال لهم: هكذا أنتم أيضاً يا ابنائي، يمكن كسركم بسهولة إن تفرقتم، لكن إن توحدتم جميعاً ، فلا أحد يستطيع أن يكسركم).
    عندما أنهى عارف بك كلامه، ودعنا بسعادة ثم مضى .
     
  6. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    ___________________________________________
    *مجلة هاوار العدد /13/ السنة 1932 الصفحة 4 .
    عزاء خالي
    حدث في 3 حزيران طوفان عجيب في سماء الأكراد، فجأة سقطت نجمة أكثر إضاءة واشراقة، بل غضبت، وانحدرت في طريق اخرى، ولم تعد.
    لذا نلاحظ أن الضياء قليل في عالمنا، وقد خيم الحزن على الأكراد خاصة وضع المثقفين من جراء سقوط النجمة، وبقي الأكراد مجروحين، (مثخنين بالجراح) وأنا واحد من أولئك الناس.
    خيم الدخان والضباب على بساتين روحي، وامتلأ داخلي بالجروح والقروح والأشباح.
    ترى ماذا حدث؟ ماذا يجري بعد! لقد أفترق خالي عنا، افترق استاذي وموجهي، ودفن تحت التراب الأسود في عالم الظلمات، يا خسارة.. يا خسارة.
    كان خالي عدواً لعائلتنا منذ القديم، لكن عندما وعيت على الدنيا، وأصبحت أميز الصالح من الطالح، فأصبح خالي صديقي، لذا كان محباً للحركات والجمعيات، وكان والدي وأخي يخافان ألا أنقطع عنه أبداً، ومع ذلك ذهبت تهديدات أقربائي أدراج الرياح لا فائدة منها، كنت أحافظ على هذه الصداقة داخل روحي وكأنني أحافظ على روحي، وكان هو بدوره يحبني من كل قلبه.
    ترى لماذا ترك وطنه الذي يشبه الجنة، وأيضاً الأميرات والأفراح والأتراح، وجاء الىهذه الجبال وأستقر في البرية ؟ لم يراود خالي أن يسأل نفسه هذا السؤال . حبه للوطن جعل كل شئ لا قيمة ولا فائدة له. هيهات، لكن لم يوفقه الله. احرقته جمرة النار التي كانت في داخله تتأجج، راحت رغبته وهدفه معه إلى القبر .
    لا. لا لم تكن رغبته، ولم يكن هو نفسه، لم يذهب سدىً إلى القبر ، كانت رغبته، ورغبتنا ورغبة الجميع. إنه يعيش فينا، وسيعيش فينا حتى اليوم الأخير، لم ينحدر إلى القبر سدىً، لأن من يموت في طريق تحرير الشعب، ويدفن تحت التراب، ترتفع روحه إلى السماوات، وبنفس الوقت يعيش في قلوب الشعب.
    كان الافندي في شبابه محباً للكردية أعلن صراحة في زمن ما عن الحركة
    الكردية في ديريك بحرية، وأصبح هو نفسه مسؤولاً عنها، اجتمع الأعضاء من كل الجهات، كان ذكياً لم يتجاوز الرابعة أو الخامسة والعشرون من عمره، عندما أصبح زعيم ثلاث عشائر، كان موظفو الأتراك ألعوبة في يديه. ساعد المرحوم شيخ سعيد في ثورته مع كثير من الآغوات والبكوات والناس الوطنيين والمقربين منهم وبعض رجاله، لكن لم يذهب الأفندي. التجأ إلى جبال مازي مع بعض رجاله، هجم على جنود (حراس) قرية شواش، أسر الجنود وبعض المدافع، وعندما اعتقل كمال فوزي بك سمع أفندي أن الاتراك سيأخذون كمال فوزي إلى الاناضول عن طريق سيورك. أرسل اخاه صالح بك بعد أن سمع الخبر/ أصبح شهيد الشعب/مع بعض الرجال إلى سيورك، لينقذوا كمال فوزي بك من أيدي العدو، ولكن للأسف لقد أرسلوه عن طريق خاربت .
    بعد مقتل الشيخ أخذوا ـ سروري العزيز ـ إلى محكمة الاستقلال (للاستجواب، لكن الله أنقذه من تلك المصيبة، ثم نفوه إلى الاناضول. لم يتوقف هناك مكتوف الأيدي، كان يرشد ويوعي أصدقاءه الجهلة، كان يجتمع مع اصدقائه، لذلك لم يستقر في مكان ما، لم يبق في مكان واحد يومين متتاليين، فقد كانوا يرسلونه إلى مكان آخر.
    جاء إلى وطنه أيضاً بعد العفو، جمع الشباب حوله، وتعامل مع الحركات الكبيرة، وأنا كنت واحداً من الشباب الذين التفوا حوله، لم يكن يخبىء أو يستر أي شيء عنا، عندما جاء إلى سوريا، أخبرني وبعض الأصدقاء، وكما كتبت مجلة هاوار، لم يتفق... توجهت إلى أسفل الخط (الجزيرة ـ سوريا)، وبعد قدومه انقذ أطفاله أنفسهم من الضياع.
    لم تمضِِ سنة، فقد تابعته أنا أيضاً. التقينا مع بعضنا في الحسكة صدفة، لأن ابن اخته قد قتل أحد أعمامي، كانت علاقاتنا فاترة (متوترة) قليلاً، لكن علاقتنا الكردية كانت حماسية قوية.
    كان أفندي دون شك رجلاً رائعاً، الرجال من امثاله قليلون، لذلك يتطلب على كل كردي شريف أن يعقد السواد و الحزن، على وفاته، يرحمه الله، ويشمل برحمته.
    ________________________________________
    * مجلة هاوار العدد /22/ السنة 1933 الصفحة 6.
    القسم
    مضت الأيام، ولم أتذكرها جيداً، كانت مدرستنا مؤلفة من طابق واحد بدون إكساء. عندما يفتح باب الشارع يوجد دهليز ضيق ومظلم يؤدي إلى باحة كبيرة عارية من الاشجار. يوجد في الباحة برميل ماء صديءٍ كنا نتوضأ بمائه.
    يلعب الفتيات و الأولاد معاً ويدرسون معاً. كانت الخوجة الكبيرة تدرسنا وهي إمرأة طويلة، وخفيفة العقل. وكان الخوجة الصغير هو ابن الخوجة الكبيرة، مازال طفلاً.
    كنت أجلس في آخر مقعد خلف الطلاب، كي لا تصلني عصا الخوجة الكبيرة. لذلك أطلقوا علي اسم الثعلب. وقد كان جميع الطلاب لهم ألقاب حـــسب طبيعتهم وتصـرفاتهم واشكالهم مثلاً الذئب الشرس، جحر الفأر، البقار ... الخ.
    * * *​
    يوجد في المدرسة شكل من أشكال العقوبة، هي الفلقة، ولم تستطع الفتيات الكبار أن ينقذون أنفسهن من الفلقة، لم لايوجد أحد لم يخف ولم يرتجف من الفلقة. من كانت عقوبته صغيرة يستلمه الخوجة الصغير بالكفوف واللكمات ثم تأتي دور الخوجة الكبيرة ، وتنهال عليه بالعصي حتى يسوّد جسمه ويتورم.
    كنت أعاقب أقل من كل زملائي، فقد شدت الخوجة الكبيرة مرة أذني وآلمتني عدة أيام. ومع ذلك لم يكن لدي ذنب، ولم أكذب بل قلت الحقيقة.
    كسر طالب ذات يوم صنبور برميل الماء الذي كنا نتوضأ منه، وأرادت الأم وابنها (الخوجة الكبيرة والخوجة الصغير) أن تعرف من الذي فعل هذه الجريمة ؟، فالذي كسر الصنبور كان طفلاً صغيراً ضعيف البنية مريضاً . . هكذا قلت للخوجة الكبيرة. وكادت الخوجة أن (تضربه فلقة)، لكن الطفل الصغير كان ينكر فعلته، فجأة جاء طالب آخر الىالخوجة وقال: أنا الذي كسرت صنبور البرميل وليس هو). ثم تمدد على الأرض يستعد للفلقة، وبدأت الخوجة، ترفع عصاها وتنزلها بقوة، والطفل / الطالب يبكي ويتدخل إلى أن تجاوز عدد العصي 30 ـ 40 عصاً. ثم التفتت الخوجة الكبيرة علي وقالت:
    (لماذا تكذب وتتهم زميلك زوراً وبهتاناً ؟) عندها شدت أذني عدة مرات رفعتني عن الأرض.. بكيت وبكيت، لأنني لم أكذب، نعم مستو هو الذي كسر الصنبور، وقد رأيته بأم عيني ثم أخبرت الخوجة الكبيرة .
    بعد أن خرجنا من المدرسة، رأيت ذلك الطفل الذي كذب على نفسه وتمدد على الأرض أمام الفلقة أمسكت صدره وسألته:لماذا جعلتني كاذباً، وكذبت على نفسك أيضاً، وعوقبت بدون سبب، أنت لم تكسر الصنبور .
    قال:نعم أنا الذي كسرت الصنبور.
    ـ لا. لم تكسره، مستو هو الذي كسر الصنبور، رأيته بعيني ثم أخبرت الخوجة الكبيرة لم يستطع أن يستر الحقيقة أكثر، نظر الي تأمل فترة ثم قال لي:إن عاهدت ولم تخبر الخوجة سأقول لك الحقيقة، عاهدته ألا أخبرها كانت لدي رغبة شديدة أن أعرف ماذا جرى. قال الطفل: نعم، مستو هو الذي كسر الصنبور، أعرف هذا، لكنه ضعيف جداً ومريض أيضاً، ألم تره ؟ هل يتحمل الفلقة ؟.
    قلت: لماذا عوقبت بدلاً عنه ؟
    قال :لماذا ؟ لأننا تعاهدنا معاً، وهو اليوم مريض، وأنا سليم الجسم معافى، وقد انقذته من العقوبة .
    قلت: ما هي المعاهدة ؟
    قال: ألم تعرف ؟
    قلت: لا.
    ابتعد قليلاً وقال: نمزج دماءنا ثم نلعقها سوية، ونتعاهد معاً أن نصبح أخوة في الدم ونساعد بعضنا حتى الموت .
    لاحظت أن كثيرون من الأطفال تعاهدوا معاً وأقسموا اليمين.
    رأيت يوماً هذا بعيني. كان الخوجةالصغير أمام البرميل يتوضأ، تدير الخوجة الكبيرة ظهرها لنا، وتصلي. كان الأطفال يجرحون أكتاف بعضهم بسكين لها مقبض خشبي، ويسيل الدم من الاكتاف ثم يلعقون الدم، ويقسمون اليمين معاً.
    كان القسم واخوة الدماء هاجسي، لو كان لدي شقيق الدم لعوقب بدلاً
    عني عندما شدتني الخوجة من أذني ولم يترك أن تشد أذني وانقذني أحياناً من الفلقة. كنت أرى نفسي في المدرسة وحيداً، وكان لدي بعض الأصدقاء، لكن لم نتعاهد بعد ولم نكن أخوة في الدم .
    أبديت ذات يوم عن رغبتي هذه لوالدتي. وذكرت لها عن قصة شقيق الدم. صرخت والدتي في وجهي وقالت: ربما جننت، لا أريد أطفال هكذا .
    لكن لم أهتم بها، كان القسم (التعهد) هاجسي، وقد وضعته نصب عيني، أردت أن أختار من بين زملائي شقيق دم قوي، اهدتني مصادفة جميلة هذا الصديق. كان الأطفال جميعاً يجتمعون يوم الجمعة في بستاننا، كنا نلعب معاً حتى المساء، كان لدي صديق كنت أحب اسمه أكثر منه، كان يصارع أكثر الاحيان الذئب المفترس ، والذئب المفترس اسم أطلقته الخوجة الكبيرة على (جمو)، وفعلاً كان جمو يشبه الذئب المفترس، كان يضرب الأطفال كثيراً، كان (سندك هافين) يجلب معه كل جمعة دزينة من عصي الصفصاف، وكنا نلعب بهذه العصى لعبة الحصان، ونخرج معاً إلى السباق.
    ذات يوم من أيام الجمعة أحضر سندك معه حزمة من العصي، أخترت لنفسي عصا طويلة ومستقيمة وكنت أقشر قشرتها بسكين حادة، وكنت أحضّر لحصاني الأنف والأذن.
    كان سندك وأصدقاؤه الآخرون ينتظرون السكين كي يحضّروا مثلي أحصنتهم. لا أعرف ماذا جرى وإذا بالسكين التي في يدي خرجت من بين القشور وأصابت الاصبع الصغرى من يدي اليسرى. وسال منها دم أحمر، خطرت لي فكرة القسم في ذلك الوقت. القسم. نسيت ألم أصبعي وقلت لسندك:​
    ـ هيا يا سندك ، أنا جاهز ، هيا اجرح يدك، كي نتعاهد معاً ونقسم اليمين على أن نبقى اخوة الدم نظر سندك إلى الأرض وتمعن فيها قليلاً ثم قال: هل يجوز هذا، يجب أن نلعق دماء زنودنا من أجل أخوة الدم.
    قلت: لايهم. . . أليس دماً إن كان من اليد أم من الزند؟
    قال سندك: (جميل) أخذ السكين من يدي وشمّر عن ساعديه ثم جرحه بعمق. كان دمه سميكاً لم يسل، تحول إلى نقطة، مزجنا دمائنا مع البعض. لعقت أنا أولاً، كان دماً ساخناً ومالحاً. ثم لعق هو دم اصبعي.
    لا أذكر كم من الزمن مر على الحادثة... شهر أم سنة. كنت قد نسيت أنني وسندك أخوة في الدم، كنا نذهب معاً إلى المدرسة ونعود معاً، ذات يوم كان الجو حاراً، وتركتنا الخوجة الكبيرة في منتصف النهار قبل أن نكمل الدروس كأيام الخميس... كنا نعود أنا وسندك بهدوء إلى البيت، وضعت منديلي على رأسي، يسيل العرق من جباهنا، نسير في طريق ضيق وصغير. فجأة ظهر كلب أسود ضخم أمامنا، يلاحقه بعض الرجال بالعصي، صرخوا فينا وقالوا :​
    ـ تنحوا جانباً، سيعضكما . . .
    خفنا ولم نعرف ماذا نفعل، قلت (هيا لنهرب. أحمرّت عيون الكلب كالجمر في وجهه، اقترب منا الكلب، قال سندك:(اختبىء ورائي) ثم تقدم إلى أمامي. هاجمه الكلب ، رمى سندك نفسه على الكلب، كالمصارعين مد كل واحد يده إلى الآخر وهز بعضهما، وقف الكلب على قدميه الخلفيتين. ثم وقع الأثنان على الأرض.
    أستمرت المعركة طويلاً بالنسبة لي، كنت أرتجف خوفاً. وصل الرجال الذين كانوا يلاحقون الكلب، وضربوا الكلب بالعصي . تخلص سندك، وسال من وجهه الدم، خاف الكلب ووضع ذيله بين قائمتيه الخلفيتين وخفض رأسه أرضاً وهرب مسرعاً . قال لي سندك: لا تخف، لم يحصل شيئاً، الجرح صغير احتضن الرجال سندك وأخذوه إلى بيته. وأسرعت بدوري إلى البيت وأخبرت والدتي بهذه الحادثة . لم يأت ساندك إلى المدرسة في اليوم التالي، قلت لوالدتي. هيا لنذهب إلى بيته يا أمي لنزور سندك) لم توافق والدتي. كانت تقول سندك مريض لا يجوز أن نزعجه كنت أذهب كل صباح إلى المدرسة على أمل أن أرى سندك، لكنه لم يأت.. ولن يأت. لقد كان الكلب مسعوراً، أخذوا سندك إلى ديار بكر إلى الأطباء ومن هناك أخذوه إلى أسطنبول ثم سمعنا أن سندك قد مات .
    كلما استيقظت في أيام الصيف من النوم ورأيت الصباحات الملونة الجميلة تذكرت كجميع الناس طفولتي. تراءى لي بلدي الاخضر الذي ولدت فيه، ودون علم من سالت الدموع من عيني على يدي اليسرى، أنظر إلى أصبعي الصغرى، الى الفقرة الوسطى، يظهر عليه أثر الجرح الذي حافظ على ألمي ندبةٌ صغيرة وبيضاء، ومازالت حرارة شفاه صديقي المضحي تنبعث منها. يتراءى لي من ورائها ذلك الصديق الشجاع، الصديق الذي دفع حياته من أجل القسم، من أجل انقاذ صديقه، صارع كلباً مسعوراً.
    سالكين12/9/1941
     
  7. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    مجلة هاوار العدد /35 / السنة 1941 الصفحة 8، 9، 10.
    الذنب
    قرأت مرة في كتاب ما: (مهما كانت حادثة الرجل قديمة، تركت أثراً عميقاً في ذهنه..) رأيت أشياء كثيرة في طفولتي، واليوم أذكرها جيداً... لكن هناك أشياء حديثة رأيتها أو سمعت عنها أو جرت معي لا أتذكرها اليوم بسهولة.
    ربما عندما كنا أطفالاً كان ذهننا صفحة بيضاء خالية من أي هموم، لذلك تتخذ الحوادث والذكريات مكانة لها بسهولة في ذاكرتنا، وكلما مضت فترة تركت الحوادث أثراً عميقاً في الذاكرة... هذه احدى الحوادث التي مرت معي عندما كنت طفلاً صغيراً .
    انقضى الربيع، وبدأ فصل الصيف، كان كل شخص يهرب من حرارة الشمس، ويلجأ إلى ظل شجرة أو ظل جدار.
    بعد مضيّ أشهر الدراسة الثمانية أغلقت المدارس أبوابها، كنت فرحاً جداً، ثمانية أشهر دراسة بين الضجيج والضوضاء، بين الجدران الضيقة والغرف المظلمة، لم يُصب جسدي بالروماتيزم فحسب بل كانت روحي أيضاً، تعفنت وتصدع قلبي.
    عندما بشرنا أستاذنا ببداية عطلة الصيف، لم أفرح وحدي بل جميع طلاب المدرسة كانوا فرحين، ويرمون قبعاتهم باتجاه السماء دلالة على الفرح وقالوا: (يعيش الاستاذ، يعيش الاستاذ)!
    لقد بكى ثلاثة أو أربعة طلاب فقط كانوا قد رسبوا في صفهم، وكانوا خجلين من الاستاذ وزملائهم، وقد كانوا يخافون من أهلهم أيضاً ، تنهمر الدموع من أعينهم. تأثرت لبكاء هؤلاء الطلاب ولأوضاعهم.
    * * *​
    مضى وقتٌ على اغلاق المدرسة، لم أتذكر جيداً، ربما شهر أو شهران ونصف كنا أنا وبعض اصدقائي نقفز من صخرة إلى أخرى، نبحث عن أعشاش الطيور نجتاز الوديان والسهول ونلاحق صغارها التي لم تستطع الطيران بعد، ساعات طويلة، كنا نمسك فراخها الصغيرة التي لا تستطيع أن تعبر عن غضبها بغير الزقزقة، وتموت بين أيدينا، كنا نلعب بها.
    كنا نتجول أحياناً حاسري الرؤوس، وأخرى حفاة ورغم ذلك نفرح كثيراً، كانت ثيابنا وأحذيتنا وقبعاتنا تعيق حركتنا فنتخلى عنها بأي شكل ونتحرر منها .
    كانت الأشواك تغرز في اقدامنا وسيقاننا، والاكمة تجرحنا ولم نكن نبالي بشيء أو نهتم به، يسكرنا اللعب والتحرر والحرية. . نسمع الشتائم من أهلنا أحياناً كثيرة كذلك ولا نهتم.
    بعد ثمانية أشهر من الدراسة وحياة السجن الالزامي بين جدران المدرسة، نستحق، هذه العطلة الصيفية بل من حقنا أن نقضيها ولايحق لأحد أن يمنعنا منها.
    ذات يوم توحدت كلمتنا نحن الأربعة أصدقاء واتفقنا: سنذهب إلى المغارة، إلى صيد فراخ الحجل... تبتعد المغارة عن قريتنا ثلاث أو أربع ساعات، كان الحجل وفراخه تلجأ إلى ظل تلك المغارة من شدة حرارة الصيف، ويوجد في المغارة نبع ماء، فالمغارة ملجأ الجان والأشباح. سمعت ذات مرة من جدتي أن المغارة عاصمة ملك الجان والاشباح، لا أحد يتجرأ أن يدخل إلى المغارة، حتى الكبار لم يتجرأوا على الدخول إليها. لكن الطفولة ورغبة الصيد أنستنا الجان وكل شيء... كنا نريد أن نظهر رجولتنا للمرة الأولى ونقتحم المغارة دون خوف، ونصطاد فراخ الحجل في مغارة الجان والاشباح.
    توقف رشو و رمو أمام باب المغارة، دخلت أنا وجمو إليها، أمسكنا بصعوبة بالغة أربعة من فراخ الحجل، كانت صغيرة لا تستطيع الطيران. كنا فرحين جداً وكأننا استولينا على كنوز الدنيا بل أكثر من ذلك، وفي الحقيقة تعبنا قليلاً، كانت أمام باب المغارة شجرة توت كبيرة، جلسنا تحتها، كي نرتاح قليلاً ونفرح بصيدنا... كان جمو يريد أن يشرب الماء فقد نال منه العطش، وهمّ أن يدخل المغارة كي يشرب الماء، لكنه لم يتجرأ أن يدخل وحده، عرفت أن كبرياءه يمنعه أن يقول لي: ادخل معي إلى المغارة، لا أتجرأ على الدخول وحدي. وعرفت أنه سيدخل بمفرده، خطرت لي فكرة طفولية خبيثة، أردت أن أجرب شجاعته. تواريت عنهم ودخلت المغارة، لم يشك أحد من زملائي ولم ير أحد أنني دخلت المغارة. اختبأت في زاوية ما، رأيت أن جمو يدخل المغارة بهدوء والخوف يسيطر عليه، كانت المغارة مظلمة وجمو لم يشرب الماء بعد: عندما اقترب مني، فجأة صرخت بصوت عال وقلت:بخ..بخ. هيهات... فكر جمو أن الجن يلاحقونه، التفت جمو خائفاً ثم سقط على الأرض، ولم يعد يتكلم، صرخت عليه عدة مرات لكنه لم يجب ولم يرد علي، فتح عينيه عدة مرات فقط ونظر إليّ بخوف. همد بريق عينيه الخضراوين في ظلمة المغارة، عندها فهمت أنني أجرمت بحقه، ذهبت إلى الأصدقاء وقلت لهم: تعالوا ماذا جرى لجمو؟.
    ذهبنا ثلاثتنا إليه، حاولنا كثيراً أن نحركه من مكانه لكننا لم نستطع، كنا جميعاً أطفالاً، ولاتتجاوز أعمارنا ثماني سنوات، سمعنا صوت ناي حزين من بعيد، لابد أن هناك راعٍ يعزف عليها، بقي رشو ورمو مع جمو، توجهت إلى صوت الناي، وصلت إلى الراعي بعد فترة وقلت له ماجرى لنا. كان الراعي قريب جمو من بعيد، سلم قطيعه لصديق له، وجاء معي إلى المغارة، حمل جمو على ظهره وعدنا جميعاً إلى القرية. مازال جمو لا يستطيع التكلم، وخبأت فعلتي بل جريمتي حياءً، حتى أنني لم أخبر أصدقائي الحقيقة.
    كيف نعود إلى القرية؟ ماذا يقول أهل جمو لنا؟ ماذا نقول لأهلنا؟ كنا نذهب مضطربين ونفكر. انتشرت قصتنا بسرعة في القرية. سجنني والدي في البيت، سمعت أن أصدقائي الآخرين مثلي قد سجنوا في البيوت. مازال جمو لا يتكلم. كل واحد كان يقول: جنيّه شيطاني وليس رحمانياً، وكان الجميع يخافون من نهاية جمو إلا الشيخ صدقة.
    كان الشيخ صدقة يعرف الجن والأشباح، ذلك العجوز الذي فعل فيه الزمن حتى انحنى ظهره، كان مشهوراً يقولون إن أصله من المكة أو من المدينة. سمعت أن الشيخ قال لوالد جمو: إن أعطيتني عشرة قطع ذهبية (خمسة قطع الآن، وبعدها خمسة) فسأشفي ابنك... وافقه والد جمو وقال له: إن اشفيت ابني فسأقدم لك كل ما أملكه...).
    اعتقد كل واحد أن الشيخ سيشفي جمو من مرضه، كنت الوحيد لم أصدقه، كنت أعرف مرض جمو أكثر من الشيخ.
    عندما أخذوا جمو إلى الشيخ، طلبني الشيخ معه وسألني عدة أسئلة: عندما دخل جمو إلى المغارة كم كان يبعد مكان سقوطه عن الزاوية اليسرى، وكم كان يبعد من الزاوية اليمنى؟ كان ينظر إلى كتابه ويكتب بقلمه يضع رسومات ويضع نقاط عليه ويهز رأسه ثم يقول :فهمت. . . من أين ضربه الجان . . . هذا جن شيطاني، يقولون له: (بولوتوخ).
    ثم كتب على أظافر أيدي وأقدام جمو بقلمه بعض الأشياء وقال: (سجنت الجن في جسمه، لن أتركه حتى أقتله أحضروا لي حزمة من العصي الرطبة).
    أحضر غلامه (دلو) حزمة من عصي الرمان الرطبة، حمل أقدام جمو ورفعه عالياً، وكان الشيخ يضرب أقدام جمو البائس وتنكسر العصي، ارتفع صراخ جمو الذي لم يستطع التكلم حتى ذلك الوقت عالياً، كان الشيخ يقول: (هذا ليس صوت جمو، لم يتكلم بعد)وبدأ الشيخ يضرب ويقول:(يا عفريت... يا شيطان... أين ستهرب مني) وبلغة الجان يسأل بعض الأسئلة. تيماتم... تناتن... شن... شن. سال الدم من أقدام جمو البائس، عندما كان يضرب جمو، يصعقني كالبرق، لم أتجرأ أن أقول الحقيقة. لم يمض النهار، مات جمو البائس من شدة الضرب.
    * * *​
    مضت على هذه الحادثة عشرون سنة أو أكثر. ولم أزل أذكرها، أصبحت لي مصيبة، تضخمت في داخلي كعقدة وأحدثت جرحاً في قلبي... جرحاً عميقاً. يزداد كل سنة ألمها، تهتز روحي من أجلها... أرى جمو أكثر الاحيان في حلمي، يقف أمامي ذليلاً منكسر الخاطر ويقول لي مشتكياً: خيانة... خيانة .
     
  8. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    ___________________________________________
    *مجلة هاوار العدد /39/ السنة 1942 الصفحة 6، 7، 8.
    الأيام الماضية
    ابتعدت عن عامودا بعد ثلاث سنوات من حياة المرارة والفرح. تحلق بعض اصدقائي الأوفياء وتلاميذي الأمناء حول سيارتنا. لم أرَ بعض الزملاء ، يعلم الله! لم يكونوا خائنين، ربما لم يأتوا حتى لايروا مشهد الفراق والوداع المؤثر، ربما لا يستطيعون أن يتحملوا هذا .
    ضممت الاصدقاء والدموع تنهمر من عيوننا، شددنا أيدينا بحرارة وقلوبنا تقول: (سنبقى دائماً أصدقاء وأخوة).
    عندما تحركت السيارة، سالت دموعي بدون شعور مني، من جهة لفراق أصدقائي ومن جهة أخرى بسبب ألم الجرح الذي كان في مؤخرتي إنه يؤلمني كثيراً، كانت روحي تهتز، لم أعرف أن ألم هذا الجرح يطول كثيراً. ترى ماذا كتب القدر لي ؟.
    مضت الأيام بحلوها ومرها في مدينة عامودا. أرى نفسي في النهاية قبيح المنظر. عندما كنت أذهب إلى المدرسة وأعود إلى البيت كان يوجد على الطريق كلبة وجروان ، كانت الكلبة تعوي وتهجم علي، وكان أحد الجروين ذئبياً وأعور، ومحروق الوجه والجرو الآخر مدور الوجه . يبدو أنه مصاب بمرض الزهري. كان ينبح فيخرج صوته مثل السلحفاة التي غصت باللبلاب.
    كان هذان الجروان يريدان أن يقطعا طريقي دائماً. لم أكن أهتم بهما. لم أتذكر يوماً أن أرمي بعض الطعام لأتقي شرهما.
    في يوم من الأيام هجم فجأة علي جرو، ربما كان أعمى وعضني من مؤخرتي. طلب مني الأطباء أن أغيّر الجو. وأشاروا علي بمنطقة (عين ديوار) خرجت سيارتنا بهدوء وعلى مهل من عامودا، ثم أسرعت. رفع الأصدقاء أياديهم حتى غابوا عن نظري. كانت السيارة تسرع كلما تقدمت. كان من الجهة اليسرى للطريق جبال كردستان ومن الجهة اليمنى سهول الجزيرة، وسيلان سبخة عربستان، وكان المطر ينهمر رذاذاً. كان السائق يقول: (أدعو الله ألا يسقط المطر بغزارة حتى نصل إلى القامشلي. حفظنا الله من الوحل والفيضانات، مازال المطر خفيفاً. عندما وصلنا إلى القامشلي كان الماء يبلل وجوهنا. ذهبت للطبيب لينظف جرحي ويضمده من جديد فأعطاني بعض الأدوية. وصلنا إلى ديريك في اليوم التالي، نزلنا عند صديق لي. كانت أحلام تلك الليلة مرعبة ومخيفة حتى أنني استيقظت مراراً فزعاً، وجرحي مازال يؤلمني.
    في الصباح فتشنا عن سيارة لكننا لم نجدها. فركبنا الأحصنة ولجأنا إلى منطقة (عين ديوار). وصلنا بعد ساعتين، استقبلني هناك ثلة من الشباب منهم فتاح ملا صادق ومحمد ملا أحمد، صافحوني بفرح وحماس وشدوا على يدي بحرارة.
    وصلت إلى عين ديوار في الأول من آذار كان كل واحد يقول لي: حظك جيد أن تأتي في بداية الربيع، ربيع عين ديوار مثل ربيع زوزان (مصايف) كردستان. وكلما صادفت شخصاً يكرر علي بهذا الحظ وهذه النعمة، لكن للأسف لم يكن هكذا، لم يكن حظي جيداً! فقد انهمر المطر شهراً وثلاثة أيام ليلاً ونهاراً. ما إن وصلت الى المدرسة حتى واجهتني ألف مشكلة. طلاب المدرسة مثل طلاب عامودا، غالبيتهم كانوا من الأكراد. لذا تعرفنا على بعضنا، وأحببنا بعضنا بسرعة.
    خلال شهر لم أستطيع رؤية شيء حولي، المطر دائم في الليل والنهار. أصبنا بمرض الروماتيزم وتصدأ داخلنا، وكان مرضي ينازع، لم أصدق أن جرحي سيشفى.
    بعد شهر أشرقت الشمس من جديد، واخضرّت الأعشاب، وتفتحت الورود والأزهار الملونة. هذا هو ربيع عين ديوار، ربيع وطني. في الجهة المقابلة تشمخ جبال جودي، موطن النبي نوح وجنوبها يجري نهردجلة ، أمام النهر تظهر جزيرة بوطان موطن مم و زين .
    هذه الأوابد التاريخية الثلاث تحفر في نفسي آثاراً عميقة. وتربط روحي بتراب تلك المنطقة. كان الأصدقاء والزملاء يقولون لي أيام المطر: لا تتضايق سيتوقف هطول الأمطار اليوم أو غداً، بعد ذلك سيأتي الربيع، سنذهب إلى جسر بافت Bafet للتنزه سترى أنه مكان جميل .
    خرجنا في نزهات جميلة. وذهبنا يوماً إلى جسر بافت فأخذنا الطعام وقضينا وقتاً رائعاً. يقولون أن هذا الجسر بني في زمن الأميرمحمد بك دست . إنه مكان رائع يجري دجلة تحت أقدامنا ويلوح برجا بلكBirca Belek أمامنا. وتذوب الثلوج شيئاً فشيئاً عن جبال جودي. بقينا حتى المساء. كان الصديق الجميل والبشوش دائماً محمد ملا يقرأ اجزاء من ديوان الجزري الحزين. يفعل كما الشحرور يشدو بحرية وانطلاق.
    عندما تم اغلاق المدارس للعطلة الصيفية فرحنا للراحة التي ننشدها بعد عناء ثمانية أشهر وحزنت لأنني سأعود إلى دمشق . كان يحز في نفسي أن أترك أصدقاء عين ديوار وعين ديوار نفسها. فقد قال شاعر: (عندما يبقى المرء في مكان ما، فإنه يرتبط بالانسان وبتراب المنطقة بخيوط خفية وعندما يريد أن يغادرها تشد هذه الخيوط قلب المرء وتؤلمه). هذا حقيقة لا انكرها.
    عندما خرجت من عين ديوار مثل يوم خروجي من عامودا . فقد شعرت بغصة في حلقي وامتلأت عيناي بالدموع.
    تمر الأيام والشهور بسرعة هائلة . فقد مضى على بعدي عن تلك الأماكن وأولئك الأصدقاء سنتان. لم أعد أخرج بل انظر حولي فأرى بدلاً عن جبال جودي سراباً خادعاً.
    لم أجد صديقاً يملأ الفراغ الذي تركه محمد ملا ـ جعل الله روحه في جناته ـ والذي تركه تلميذي برو ورمو. ومن ذكريات تلك الأماكن بقي شيء واحداً معي آثار أسنان ذلك الجرو في مؤخرتي ، الجرو الذي لا صاحب له، الجرو الفلتان .
    الجديدة 10 ـ 11 ـ 1942 .
     
  9. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    ___________________________________________
    *مجلة هاوار العدد /52/ السنة 1943 الصفحة 9، 10.
    كلاب المصايف
    إن قصة كلاب المصايف ليست قصة وهمية، ولا هي خيالية ورغم ذلك لم أرها بعيني، بل سمعتها من شخصين، فالاول يدعى صلاح بك رمضان من بلدة الزبداني، والآخر يدعى داوود أفندي من أشرفية القنيطرة.
    جرت العادة منذ القديم، أن تأتي الأغنام من كردستان إلى سوريا وفلسطين وقد تصل إلى مصر أحياناً، إن اغنام كردستان تلقى رواجاً في أسواق تلك الدول، كانوا يطلقون عليها، الاغنام البنية.
    جاء تاجر ذات مرة مع اغنامه من أرضروم إلى سوريا، وبقي فترة في الزبداني، وقد كان الشتاء قاسياً في تلك السنة، حيث تساقطت الثلوج بكثرة، ولم يستطع التاجر أن يخرج بأغنامه من الزبداني، لذلك اضطر أن يبيع أغنامه في البلدة إلى مضيفه، وكان مع التاجر كلب المصايف يحرس الاغنام من اللصوص والذئاب، تثاقل المضيف على ضيفه وطلب منه الكلب أيضاً، خجل الضيف أن يرد مضيفه خائباً، فقدم كلبه الرصاصي اللون الكبير الذي يرد الذئاب عن القطيع، وعاد إلى وطنه ارضروم.
    كانت الغابات والادغال التي تحيط بالزبداني في ذلك الوقت، مأوى الذئاب والوحوش ولبعض الحيوانات البرية الأخرى. وكانت الذئاب بدورها لا تدع أغنام البلدة ترعى بأمان. . . وبعد أن ظهر كلب المصايف هناك، لم تتجرأ الذئاب والحيوانات المتوحشة الاقتراب من القطيع كبر الكلب وشاخ بعد عدة سنوات ولم يستطع أن يرد الذئاب عن القطيع . اجتمعت الذئاب ذات مرة على كلب المصايف بين الغابات والادغال، وكاد أن يودي بحياة الكلب، وعندما عاد الكلب إلى البيت رأه صاحبه الجديد أن الكلب ملطخاً بالدم، مثخن الجراح، ومازال الدم ينزف من جروحه، غضب صاحبه كثيراً ثم ضمد جراحه.
    ضاع الكلب في اليوم التالي، فتش صاحبه عنه كثيراً لكنه لم يجده، قال لنفسه: ربما مات في مكان ما بجروحه المتقيحة.
    فجأة وجد صاحبه أن الكلب ظهر ثانية بعد شهرين، لكن لم يكن وحيداً هذه المرة، فقد جر معه كلبين آخرين أكثر قوة منه، كانا يشبهان الكلب العجوز تماماً حتى أن لونهما يشبه لون الكلب العجوز، فرح صاحبه كثيراً، ولو كان لديه اجنحة لطار من الفرحة. نحر الرجل خروفاً لضيوفه الكلاب ، ووضعه أمامهم.
    استراحت الكلاب الثلاث في تلك الليلة، وفي الصباح الباكر تقدم الكلب العجوز ووراءه الكلبان الضيفان القويان إلى مأوى الذئاب، حيث الادغال والغابات ـ يعلم الله أن لهذه العملية حكمة.
    اتجهت الكلاب الثلاث إلى الوديان... إلى مأوى الذئاب... تقدم الكلب العجوز إلى الوادي وحيداً، وتأخر الاثنان ينتظران. هجمت الذئاب على الكلب العجوز... فجأة انطلق الكلبان القويان كالبرق إلى الذئاب ـ يبلغ عدد الذئاب /50/ ذئباً ـ وبدأت المعركة، معركة حامية، وأخيراً تغلبت الكلاب على الذئاب وخاصة القويان... كانا يرميان الذئب تلو الآخر طريحاً... وثأرا للكلب العجوز. ثم عادت الكلاب إلى البيت، وكان الدم يسيل من أفواههم، نحر الرجل خروفاً آخر بفرح وفخر.
    بعد عدة سنوات من تلك الحادثة، جاء الارضرومي إلى الزبداني ثانية، وروى له الزبداني قصة كلبه بفخر واعتزاز.
    قال الارضرومي: نعم، كل مارويته كان صحيحاً، لأن الكلب عجوز، لايستطيع أن يتغلب على كل الذئاب.
    وفي يوم ما ظهر جروان للكلب، ثم اختفى الكلبان القويان، وقد كان القويان أولاد كلب المصايف، وبعد ثلاثة أشهر مات كلب المصايف العجوز وبقي الجروان .
     
  10. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    _______________________________________
    * مجلة روناهي العدد /14/ السنة 1943 الصفحة 11 .
    كُلجين
    كُلجين ابنة نورس بك وهي الابنة الوحيدة والبكر أيضاً لوالديها.... لذا كبرت وترعرعت في عز ودلال، فقد كانت كُلجين جميلة جداً لها قامة هيفاء، وشعر أشقر ذهبي، وعيون خضراء، تبلغ من العمر ثماني عشر سنة، اشتهرت بجمالها بين الأهل والعشيرة، وكان الشباب يعشقونها كثيراً، لكن لم يتجرأ أحد أن يتقدم لخطبتها من والدها خوفاً على شعورها .
    كان نورس بك من وجهاء مدينة نولNol ومن أغنيائها وبنفس الوقت رئيس العشيرة، كان رجلاً مجرماً وسفاحاً. كل شخص يكرهه لأن أحداً لم يسلم من شره، ويلوكون سيرته في الأماكن بالسوء،ويترصدون لايذائه والايقاع به.
    يعتبر سيدو آغا عدوه الأول، وهو أيضاً من وجهاء ورؤوساء العشيرة، ومن مؤسسيها، وهو الذي كان يزعج نورس بك ولم يدعه يهنأ حتى في نومه أيضاً.
    كان نورس بك يعرف تماماً أن مكانته تهتز، وإن استمرت هذه الحالة أكثر، فسيخسر العشيرة والممتلكات أيضاً. كان يتوجب عليه أن يجد حلاً لهذه المشكلة التي تزعجه، يفكر ليلاً ونهاراً عسى أن يجد حلاً، وأخيراً وصل إلى نتيجة ترضيه وتخرجه من المشكلة، قال لنفسه:​
    ـ إن أصبح سيدو آغا صهري فلن أخاف منه بعد اليوم، ولن يزعجني بشيء.
    قدم نورس بك ابنته المدللة كُلجين إلى سيدو آغا ، وقبل سيدو آغا هدية نورس بك برحابة صدر، وتقدم لخطبتها. لقد تصالح الآغوات والبكوات. خطب سيدو آغا كُلجين ابنة نورس بك، وألبسها خاتم الخطبة، واشترى لها ذهباً، ووزعت كؤوس الشراب. وتحدد موعد الزفاف بعد ثلاثة أشهر، وستكون كُلجين زوجة سيدو آغا.
    لم يسعد نورس بك في نومه منذ مدة طويلة، أما اليوم فسيضع نورس بك رأسه على المخدة للمرة الأولى دون خوف أو قلق بعد هذه المصالحة ،.. وينام قرير العين، لقد نام فعلاً في هناء.
    ماذا جرى لكُلجين المسكينة؟ اسوّدت الدنيا أمام عينيها، كانت ترى كل شيء اسودَ مظلماً، الشمس والقمر والضياء، كيف ستصبح زوجة سيدو آغا ؟ إن لم يبلغ سيدو آغا خمسين سنة من العمر، فلم يكن أقل من خمسين سنة، ومازال على وجهه آثار مرض الجدري، وله عين بيضاء. وعلاوة على هذه العلل والعجز، كان له ثلاث زوجات، وقد تزوجت ثلاث من بناته اللائي يكبرن كُلجين أيضاً.
    الأمل هو الذي يجعل الانسان يستمر في الحياة ، لولا الأمل لانعدمت الحياة على الأرض، وإن انعدم الأمل، فلا يستطيع الانسان أن يعيش دائماً مع الشكوى والمرض والألم في هذا العالم ، حتى القاتل أو المحكوم عليه بالاعدام الذي يجرونه إلى حبل المشنقة يأمل في انقاذ نفسه، يستعطف الآخرين من خلال ملامح وجهه يستثير شفقة الناس كي يعفو عنه الملك أو يصدر قراراً بعدم شنقه.
    مازال الأمل يسيطر على كُلجين، وأرادت أن تنقذ نفسها من هذا القدر المكتوب على جبينها وتصنع قدرها بيدها، وتنقذ نفسها من الحظ الأسود.
    لم يبق لكُلجين سوى العجوز بيزى، وهي عجوز ساحرة، أعادت كثير من الفتيات إلى أهلها بقوة السحر، وردت العرسان وفسخت الخطوبات، وبفضل السحر قربت قلوب آلاف الشباب والفتيات وشاركت في طلاق الكثيرين من الازواج.
    التجأت كُلجين إلى العجوز،لاذت بها، أمسكت بطرف ثوبها وقبلت يدها، وروت ما حدث لها:( أيتها العجوز، أتمنى أن تنقذيني من نار الجحيم، وما تطلبين من المال ستقدمها والدتي لك، وهي أيضاً لا تريد هذا الزواج). فكرت العجوز فترة ثم قالت لها:يجب أن آخذك إلى الشيخ يا ابنتي، إنه الشيخ شفقت |efqet ، هو الذي يستطيع أن ينقذك من هذه المصيبة.
    اتفقتا على يوم محدد للذهاب إلى الشيخ.
    قدمت العجوز بعض النصائح إلى كُلجين قبل أن يذهبا إلى الشيخ قالت:(إن الشيخ من عائلة النبي، يتوجب عليك أن تتوضيء قبل أن تزوريه، إنه يعرف روح الإنس والجن ، كلامه جواهر، وفي أقواله حكم قدسية، إن قال لك كن فيكون، قد يكون لكلامه هذا حكمة، يجب ألا تفكري بالسؤ وتحملي قلباً طاهراً، كي يعرف الشيخ رغبتك، ويحقق أملك).
    حفظت كُلجين نصائج العجوز، وعندما دخلت إلى خلوة الشيخ، قال الشيخ:​
    ـ أنت عجوز بيز:لم تأتي إلي منذ عدة أسابيع، أين كنت، وماذا جرى لك ؟ أعتقد أن أختك حلت ضيفة عليك، أليس كذلك؟.
    قبل أن تجيب العجوز على أسئلة الشيخ، نظرت إلى كُلجين وهزت رأسها منتصرة، ثم ردت على الشيخ وقالت :هذا صحيح ياشيخي، جاءت أختي لزيارتي، عدة أيام ، لذا تأخرت عن زيارتك.
    قال الشيخ:لايهم! أليست هذه ابنة نورس بك؟
    قالت كُلجين :نعم.
    هرعت كُلجين وقبلت يد الشيخ بحياء واحترام .
    قال الشيخ:كرامة لله الذي في السموات والأرض يا أبنتي، عليك أن تتطهري، وتصلي، ليس لأجل مجيئك. نظرت العجوز مرة أخرى إلى كُلجين وهزت رأسها باعجاب، وكأنها تذكر كُلجين بنصائحها وواجباتها، أما كُلجين فقد كانت ترتجف معجبة بمعرفة الشيخ.
    قال الشيخ:لا حاجة لك أن تكرري لي مصيبتك يا أبنتي، أنا أعرف جرحك وألمك، لم يخبرني أحد أعرفها بنفسي، لاتقلقي، لا تقلقي، أنا والدك، سأنقذك من الكلب المنخور.
    لم يسمح عمر الشيخ أن يقول لأي فتاة كبيرة (أنا بمثابة والدك يا ابنتي) لأنه لم يتجاوز الثلاثين أو خمس وثلاثين عاماً، لكنه نصب نفسه لهذه الأبوة لمكانته الدينية كشيخ، لذا لم تتضايق كُلجين من كلامه، سيما وأن الفتاة قد اقتنعت به تماماً.
    كان على العجوز أن تخرج، وفعلاً خرجت، وتركت الشيخ والفتاة في الخلوة وحدهما، خرجت العجوز من الخلوة كي لايدخل أحدٌ دون اذن ويفسد السحر وفي نفس الوقت كي لا يسمع أحد أن كُلجين جاءت مع العجوز إلى الشيخ. مسد الشيخ يده على رأس كُلجين عدة مرات، ثم وضع يده على جبينها، انحدرت اليد بكل هدوء إلى الأسفل واستقرت على عينيها ووجهها، أمسك بفكها السفلي وهزها، كانت كُلجين واقفة كالتمثال دون حراك، تأثر الشيخ لوضعها، قبّل جبينها كوالدها ثم عينيها واستقر فمه على فمها.
    انتابت كُلجين احساس بالخجل من رحمة الشيخ، ولم تعرف كيف تشكره، ظلت صامتة، لابد أن الشيخ قد وجد وسيلة لانقاذها من نار الجحيم، وهذه من الأمور السهلة لدى الشيخ، يستطيع أن يستحضر روح سيدو آغا إليها، ويأمرها أن تبتعد عن طريق كُلجين، يستطيع أن يجعل الفتاة قبيحة في نظر سيدو آغا، لديه الخطط الكثيرة.
    أخذ الشيخ قطعة من الكلس في يده، ثم رسم دائرة على الأرض، دخل مع كُلجين إلى الدائرة وقال لها: لاتخرجي من الدائرة يا... سأستحضر روح سيدو وأخدره. بقيت كُلجين داخل الدائرة، ثم وضع الشيخ بخوراً على النار، وذهب إلى خلف الستار، بقي فترة . وعندما امتلأت الخلوة بدخان البخور، وأسودت الغرفة، صبغ الشيخ جسمه ببودرة فوسفورية بسرعة، وقد كانت الخلوة مظلمة من شدة دخان البخور كاد أن يتحول إلى أزرق.
    لم تخرج كُلجين من الدائرة، فجأة صرخ الشيخ بصوت جهوري عال: ياهو. . . وقفز من وراء الستار، فتحول جسمه إلى نور وضياء، ارتجفت كُلجين رهبة لصراخ الشيخ، وفزعت، لكن كي تتخلص من سيدو آغا، ومن نار الجحيم، وضعت كل شيء نصب عينيها التعب والخوف والتضحية.
    أسرع الشيخ ودخل الدائرة ، كانت الدائرة صغيرة وضيقة، كي لا تخرج كُلجين منها، فالتصق الجسدان ببعضهما كقالب واحد. مد الشيخ يده إلى روح سيدو آغا وسحبها، لمعت يده النورانية كالبرق في الليلة المظلمة، وأضاءت. ثم حضن باليد الأخرى كُلجين، وضغط عليها كي لا تخرج من الدائرة، ويبطل مفعول الطلاسم، كان الشيخ يتكلم مع روح سيدو آغا ويأمرها. لم تعارض روح سيدو آغا أوامر الشيخ فاستجابة لأوامره كل شيء يسير في طريقه الصحيح. هكذا أخبر الشيخ بل بشر بها كُلجين، ثم ضغط على الفتاة من شدة الفرح في حضنه، وقبّل عينيها ووجهها واستقر الفم على فمها .
    لم تتكلم كُلجين ولم تعارض. قال الشيخ:انزلي السروال الداخلي يا ابنتي. نسيت كُلجين نصائح العجوز بيز في تلك اللحظة، وكأنها استيقظت من غفلة طويلة، نظرت إلى نفسها والى الشيخ، ماذا يريد الشيخ منها؟ لقد فكرت كَلجين بكل شيء كي تتخلص من نار الجحيم ، من سيدو آغا، وتستطيع أن تضحي، لكن ليس بشرفها. فهمت كُلجين نوايا الشيخ وماسيجري لها خلال ثلاث ثوان، بصقت في وجه الشيخ من فورها، وندت منها صرخت لاشعورية، سمعت العجوز صراخ كُلجين ودخلت فوراً.
    قال الشيخ: أيتها العجوز:.... ماهذه المجنونة التي أحضرتها إليّ ؟
    ارتمت العجوز على أقدام الشيخ راجية متوسلة وقالت:التوبة ، لأكن جاريتك... التوبة... استغفر الله العظيم . ثم التفتت إلى كُلجين وقالت: ماذا فعلت يا أبنتي، هيا توبي بسرعة، ألم أقدم لك النصائح؟ يقول لك الشيخ انزلي السروال الذي كان على الحبل في الأعلى كي يحبس فيه روح سيدو آغا.
    عندما نظرت كُلجين إلى الأعلى، رأت فعلاً أن السروال معلق على الحبل، عندها فهمت أنها كانت مخطئة، وارتمت أيضاً على أقدام الشيخ، تطلب التوبة، واستغفرت الله، لكن الشيخ الجليل لم يقبل توبتها إلى أن تدخلت العجوز، وتوسلت للشيخ مرات عديدة. على ألا يتكرر هذا الخطأ مع الشيخ ثانية، ثم عفا عنها الشيخ.
    قبح الله وجه المصادفة، لقد ساعدت الصدفة مرات عديدة السحرة.
    اختلف سيدو آغا مع نورس بك لسبب ما، بعد أن قدم لكُلجين الخاتم والذهب، كان سيدو آغا يأتي إلى زيارة عمه نورس بك كل يوم . وعندما رأت العشيرة أن سيدو آغا قد خدع بنورس بك، وأصبح عدواً له أيضاً، تبرع أربعة شبان في احدى الليالي ودخلوا منزل سيدو آغا وهددوه ثم قالوا له :​
    ـ إما نورس بك أو العشيرة.
    لم يتجرأ سيدو آغا أن يخالف العشيرة بهذه السرعة، فبقي في منزله عدة أيام، كان يخاف أن يقتله أحد، عندما يترك سيدو آغا العشيرة ويتزوج من كُلجين، مضت فترة لم يذهب سيدو آغا إلى زيارة نورس بك. وهذه كانت أمنية كُلجين أيضاً، قدم الشيخ لها فائدة كبيرة، لقد أنقذها من نار الجحيم، لكن كان يجب على الشيخ أن يسجن روح سيدو آغا دائماً كي لا يعود ثانية الى كُلجين، لذا كان عليها أن تزور الشيخ كل عدة أيام مرة واحدة. وكلما سنحت لها الفرصة ذهبت مع العجوز إلى الشيخ، يسجنان روح سيدو آغا، طلبت كُلجين أمنية أخرى من الشيخ، أرادت أن تجمع روحها مع روح كاتب والدها سَرْوَرْ Serwer .
    كان سَرْوَرْ شاباً أنيق المظهر وسيم المحيا، طالباً في الجامعة، يحب كُلجين كثيراً ، وتبادلها هي نفس الشعور، لكنه لم يكن من الأغنياء، ولم يكن بمستوى نورس بك كي يصبح صهره.
    وافق الشيخ أمنية كُلجين، إنه يجمع دائماً روحيهما معاً .
    آمنت كُلجين بالشيخ وكرامته، واستسلمت له كلياً كانت تجلس معه، ويشربان ماء الزمزم في الخلوة معاً. وقد كان الشيخ يسجن روح عدوها ، وترسل روحها إلى حبيبها سَرْوَرْ ، عندما تبقى بلا روح، كان الشيخ يحضنها ويمددها بين نوره. فأصبحت كُلجين من اتباع الشيخ قلباً وقالباً، تذهب إليه كل اسبوع مرتين أو ثلاث مرات، وتبقى معه في كل مرة أربع ساعات في الخلوة، وتشرب مع الشيخ ماء الكوثر والزمزم، ويشدها الشيخ إليه، كانت الروح تخرج من جسدها مع روح الشيخ، وينبتان لهما ريش وأجنحة ثم يحلقان فوق الجنة، وفي السموات... مرت سبعة أسابيع على هذه الحال، حتى تحرك في بطن كُلجين شيء ما، لكنها لم تعرف ما هو ؟. لم تدرك أنها عندما كانت تشرب ماء الكوثر والزمزم، كانت تقع فاقدة الوعي، وعندها كان الشيخ يمنح من نوره جزءاً من الشراب .
    لاحظ الشيخ هذا، وعرف أنه سيفتضح أمره بين الناس بعد شهرين أو ثلاثة، لذا كان عليه أن يداوي مريضته بالدواء الذي كان يداوي بها مرضاه مثل كُلجين وهو بودرة من بركات جده... يضع قليلاً من البودرة في كأس من الماء، ويقدم لمرضاه كي يشربوا.
    بعد أن تجرعت كُلجين هذا الدواء، كانت تذبل تدريجياً كالريحانة وتذوب كالشمعة، فاقتعدت الفراش، ولم تملك القدرة على الوقوف، وبعد ثلاثة أسابيع اشتد بها المرض وأنطفأت كالسراج فجأة في يوم ما .
    ماتت كُلجين، لكن شيخاً صغير كان يتحرك في داخلها، وبلا شك كان شيخاً دون ذنب .
     
  11. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    _______________________________________
    *مجلة روناهي العدد /16/ السنة 1943 الصفحة 5، 6، 7، 8.
    صيد الخنازير
    كنا نمشي في طرقات وعرة، ومشجرة، في وديان عميقة، على الصخور العالية، إلى الاماكن البعيدة... كنت أنا وصديقان لي، ومعنا كلابنا. حملنا بنادقنا على اكتافنا، وتخنصرنا بالزنار، ارتدينا القفازات في ايدينا وفي أقدامنا أحذية قوية متينة، وجوارب صوفية تقينا من برد الشتاء، ونرتدي الثياب الأنيقة الشتوية، وكان فصل الشتاء في الأربعينية، نقصد جبل (منجل) لصيد الخنازير. لم تكن هذه المرة الأولى التي نسافر فيها، بل سافرت عدة مرات في هذه الطريق، أصبح الصيد حاجة ملحة، ورغبة مميتة تجري في دمائنا، تسكرنا، نركب الطرقات كالمجانين، لا نستطيع التخلي عنها. كنا نمشي في النهار، وننام في المغارات ليلاً. بعد ثلاثة أيام اقتربنا من الجبل، وكان الوقت مساءً، والجو شديد البرودة، تعبنا كثيراً، واقتربنا من مغارة (كوف)، عادة عندما نصل إلى المغارة، نشعل النار بسرعة كي نتدفأ ونرتاح.
    وصلنا إلى المغارة، لكن للأسف، كانت مهدمة لسوء حظنا، ولم أعرف مغارات أخرى في هذا المكان، ولم نستطع الرجوع في الظلام لأن الطرقات وعرة، والرجوع مستحيل، فالحيوانات الضارية والمتوحشة كثيرة جداً، احتمينا بصخرة كبيرة، كان المكان ضيقاً جداً، بحيث لم يسعنا وكلابنا، بصعوبة بالغة احتمينا بالمكان وأشعلنا النار.
    هبت ريح عاتية بعد العشاء مباشرة. . . انهمر المطر رذاذاً، وازدادت الريح والمطر كلما توغلنا في الليل، انطفأت النيران، ابتلت ثيابنا، ارتجفنا من البرد، وارتجفت الكلاب، ووضعت أذنابها بين أرجلها، ورفعوا رؤوسها عالية، وارتفع نباحها، يبدو أنهم ينذرون بنتيجة سيئة أو كارثة محتملة.
    بدأت العاصفة تزداد كلما اقتربنا من منتصف الليل، وعندما كانت تلمع الدنيا، كنا نستطيع رؤية الأشياء. نخاف أن تهاجمنا الحيوانات البرية، ولن نستطيع أن نتخلص منها.
    خفت شدة الرياح بعد منتصف الليل، توقف المطر تماماً، تفرقت الغيوم السوداء، ظهرت نجوم في بعض الأماكن من السماء، دبت الحيوية والنشاط فينا، تحرك الدم من جديد في عروقنا . لكن لم تمض فترة ، حتى تجمعت الغيوم الناصعة البياض بدلاً من الغيوم الداكنة، وبدأت تثلج.
    هطل الثلج مع بداية الفجر، وأصبحت الدنيا بيضاء، كان بإمكاننا أن نرى أمامنا، أردنا أن نرجع إلى الوراء، ونحتمي بمغارة ما. اوشكنا أن ننهض، وفجأة هجم علينا قطيع من الخنازير... الخنازير التي كانت تهرب منا مجموعات وقطعان، لكن الآن تهاجمنا بشراسة.
    نحن الأصدقاء الثلاثة، وضعنا ظهورنا إلى بعضنا، وصوبنا بنادقنا باتجاههم، وقد ساعدنا كلابنا أيضاً، كانوا يهجمون على الخنازير. بدأت معركة كبيرة، انتهت الطلقات، وازداد عدد الخنازير رغم أننا قتلنا الكثير منهم. كانت يهاجمنا جماعات، ملبية نداء بني جنسها، يزداد تساقط الثلج، ثم بدأت الزوبعة الثلجية تلفنا، واشتدت العواصف. ظهرت من جديد الخنازير والحيوانات المتوحشة والمفترسة، هجمت علينا، وعلى كلابنا تطلب الطعام، فهي جائعة، بعد أن نفدت طلقاتنا، علقناحرابنا ، قاومناهم فترة باليد، لكن لم نستطع المقاومة. وقع كل واحد منا في مكانه، قُتل كلابنا الثلاثة بعد ذلك سحبت الحيوانات المفترسة جثث صديقين لي على الثلج. كنت في حفرة، امتلأت الحفرة بالثلج، فتشوا عني، غبت عن انظارهم. وقد غطاني الثلج تماماً.
    يزداد الثلج فوق ظهري، ويثقل كاهلي، لم أستطع التحرك، لكن هذه المرة، لم أشعر بالبرد، وكأنني ارتديت الفرو الصوفي، كان جسمي دافئاً. كنت داخل كفن طبيعي أبيض. لا أمل في النجاة. عندما يكون المرء أمام الموت، يتذكر بكل تأكيد نهاية حوادثه التي تمر كشريط سينمائي أمامه. تذكرت أشياء كثيرة وأنا في تلك الحالة. لاسيما كنت اسمع دائماً صوت المرتل قبل /20/ سنة عندما كنت صغيراً (الله حق. . مولاي حق. . . الموت حق).
    كان الصوت صوت الدرويش ، يلبس زياً أخضر، يظهر كل سنة مرتين أو ثلاث مرات ، وفي كل مرة يظهر فجأة دون سايق انذار، اسمر اللون، طويل القامة، ذقنه حمراء. . . علبته التي يضع على ظهره خضراء وأيضاً عمامته. كانت تتدلى من رقبته سبحة خضراء حباتها كبيرة، وعلى كتفه علبة من خشب جوز الهند، وفي يده عصا طويلة، وفي رأسها حديدة. يدور في الأزقة ويصرخ بصوته الحزين (الله حق.. مولاي حق.. الموت حق) كان الناس يجلبون له أطفالهم، يمسد بيده المباركة على رؤوسهم، كان بإمكانه أن يدخل كل البيوت دون أن يردعه أحد، وينام في أي مكان أو بيت يريده. وأن يأكل من البيت الذي يرغبه. كانت جدتي، تحترمه كثيراً، تجلب له الطعام، وكان يمسد يده على رأسي، يقرأ شيئاً ما بهمس وينفخ حولي. كانوا يطلقون عليه (الخال خضر) يظهر فجأة ، ويختفي فجأة، بإمكانه أن يلف العالم كله في يوم واحد. كنت أتضايق تحت الثلج، يسيل العرق من جسمي. تمر في ذاكرتي تلك المشاهد والمناظر، وخاصة منظر الدرويش. . تربيت في بيئة دينية، كنت أعتقد أن الدرويش الذي يلبس الأخضر، أو (ملا خضر) سينقذني من الموت الأكيد، أو يساعدني. الدرويش رجل الكرامات والمعجزات، والذي يستطيع أن يلف العالم كله في يوم واحد، يستطيع أن يلبي صراخ مريده القديم، وينقذني من هذه الضائقة. كنت أفكر بهذه الأمور. سمعت صوتاً هاتفاً يقول لي: (لاتخف... أنا قادم إليك) نظرت إلى الأعلى، طبقات الثلج تراكمت على ظهري، رأيت من الأعلى اسراباً كبيرة من الغربان، تتجه نحوي. ثم حطت بجانبي.
    انتعشت، ردت روحي بأمل ملا خضر، قلت ربما أرسله الدرويش. لكن للأسف كان غراباً طويلاً جداً رأسه مدور كبير، وعلى صدره ريش ناعم، لايشبه الغربان. خاب ظني. . . إنه غرابٌ آكل الجثث. . . يشم الرائحة قبل أن يموت الانسان، هاهو قادم إلى جثتي. لكن هذا غراب أبيض، ذو هيبة وجلال ووقار، ليس غراب آكل الجثث، مسد بمخالبه الفولاذية على رأسي بعطف وحنان، رفعني على جناحيه الحديدية، وطار بي إلى السماء، عندها لم أكن أخاف من الموت. كنت أنظر إلى الدنيا، نظرة تفاؤل.
    عندما فتحت عيني لم أر نفسي على اجنحة الطير، بل كنت في بيتي وعلى فراشي، يرفع الطبيب ذو اللباس الأبيض رأسي ، ويضع الدواء في فمي، نظر أقربائي الجالسون على الطرفين اليّ بخوف، والدموع تسيل من عيونهم، ضحك الطبيب وقال: الآن لاتخافوا. . . لقد مزق الكفن).
    عاد الوعي إليّ، كنت مريضاً منذ عشرين يوماً بحمى التيفوئيد.
     
  12. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    _________________________________________
    *مجلة روناهي العدد/28/السنة 1945 الصفحة5، 6، 7 .
    الانقلاب الأحمر الكبير
    ـ لانريد الحرب
    ـ لا نريد القيصر
    ـ يعيش الشعب.
    كان آلاف الفقراء وفلاحو بطرسبورغ يتجولون في الشوارع والأزقة في شهر آذار من العام 1917، ويطلقون بصوت واحد معاً تلك الكلمات . وكان القيصر وعائلته وأعوانه ينظرون من خلف النوافذ إلى جمهرة الكادحين والفلاحين والرعاة الصعاليك، ويضحكون، ويقهقهون ثم يقولون:
    ـ يزعجنا عواء هؤلاء الكلاب.
    فعلاً كان القيصر وأعوانه منزعجين. . . ولم يكن انزعاجاً طبيعياً، بل كان غضباً سياسياً، وإن كانت تعابير وجوههم تضحك زيفاً، لكن قلوبهم تبكي حقيقة. فقد تعلق حمى الموت برقابهم، تهتز من تحتهم العروش.
    لم تحدث هذه المشاغبات في شوارع بطرسبورغ فحسب، بل كانت البلاد كلها تموج بهذه الاحداث، فيطالب الفلاحون والكادحون والرعاة بالحرية والتقدم.
    يتألف الشعب الروسي من طبقات كما هو الحال في جميع انحاء العالم هم: الحرفيون والقرويون وأهل المدن، من الفلاحين الكادحين، والرعاة... أهل المدن هم الطبقة البرجوازية الوسطى، الحرفيون هم الطبقة المهنية الحرة، أما الفلاحون الكادحون والرعاة هم طبقة المستغلين، كانت طبقة المهن الحرة تعيش على جهود الطبقة المستغلة، ويتمتعون بملذات الحياة بجهودهم. وكان التعب والبؤس من نصيب الفلاحين والكادحين.
    * * *
    أول من وضع نظام الطبقات الاجتماعي هو كارل ماركس في القرن التاسع عشر، لم يوافق على هذا النظام الطبقي الاخرق، وطورّ أفكاره الماركسية إلى الأمام . كان كارل ماركس يقول دائماً (الدم الذي يجري في عروق الانسان أحمر، لايوجد إنسان يجري في عروقه دم أخضر، ولايحق لأحد أن يعيش على جهد الآخر، ولا يجوز ان يكون الشخص بلا عمل).
    جرت الثورة الفرنسية الكبرى في عام 1789على هذه الأسس، وانكسرت منذ ذلك اليوم شوكة الطبقة الأسياد، واستدرك كل أمة معنى الحرية ومتعتها .
    كان معتنق الفكر الماركسي، وقائد الثورة البلشفية هو لينين، واسمه الحقيقي هو فلاديمير ايليتش ايليانوف، ولد لينين عام 1870 في سينبرسك، في ومنذ نعومة اظفاره بدأ يناضل من اجل الحرية وكرامة الانسان، ويكافح في سبيلها ليلاً ونهاراً، بفكره وعقله ويديه.
    بدأت الثورة الروسية عام 1917، لم يكن انقلاباً مفاجئاً، ولم تكن معجزة، لا، بل كانت ثمرة شجرة كان قد زرعها لينين قبل ثلاثين عاماً، البذرة التي بذرها لينين قبل سنوات في روسيا في الزمن الذي لوى القيصر عنقه وعنق أصدقائه.
    طرد لينين من جامعة قازان عندما كان في السابعة عشر من عمره بسبب علاقاته برجاله الثورة وشنق شقيقه الأكبر الكسندر في نفس السنة.
    كان لينين يحب العلم والتعليم كثيراً وخاصة كان يهتم بفكر كارل ماركس، وقرأ كافة الافكار (الاجتماعية) وخاصة كتاب ماركس الأول بعنوان (المسألة القروية)، وبدأ نشاطه منذ عام 1893 في مدينة بطرسبورغ. . واتجه إلى الكتب الاشتراكية، وقبل كل شيء أراد أن يسن القوانين للفلاحين والعمال، أسس حزباً أشتراكياً ديمقراطياً بين عام 1894 ـ 1898، ,اصدر صحيفة رسمية، ثم اعتقل ونفي إلى سيبيريا، وبقي هناك حتى عام 1900، ولم يتخل عن نضاله .
    بعد أن عاد من المنفى خرج مع أصدقائه الاثنين الأول (مارتوف)، والثاني (توبريسون) من روسيا، وذهبا إلى المهجر مع بليخانوف واكلور وفيرازاسوليست وأصدروا جريدة بعنوان ايسكر. ثم ذهبوا إلى بروكسل، ولم يستطيعوا الاستمرار هناك، فلجأوا إلى لندن ودب الخلاف بين جماعة ايسكر ، وانقسم الحزب إلى طائفتين. البلاشفة والمناشفة، كان البلاشفة تحت قيادة لينين، واصدر صحيفة بعنوان (بريود) وفي عام 1905 عاد لينين إلى روسيا، وحدث انقلاب في الفكر والنظريات العامة في روسيا، وانخرطوا في المجال العملي، حدث كفاح مسلح في شهر كانون الأول تحت قيادة الحزب باسم جماعة السوفيت، فحاربوا جنود القيصر عشرة أيام، لم يوافق المناشفة على هذا الكفاح المسلح واراقة الدماء وانضموا بدورهم إلى القيصر والبرجوازية.
    اضطر لينين أن يخرج من روسيا في عام 1907، وبدأ نشاطه السياسي في عام 1912من خارج روسيا. وعندما بدأت الحرب الكبرى في عام 1914، بدأت جماعة السوفيت تظهر من جديد وبقوة أكبر واهتزت بطرسبورغ.
    ظهرت بوادر الثورة الاشتراكية في روسيا تحت قيادة الحزب البلشفي وزعامة لينين في عام 1917 وكانت هذه بداية تاريخ تحويل الطبقة الرأسمالية، وبداية التاريخ والمسار الصحيح والحرية.
    عرض عمال بطرسبورغ عرضاً مسرحياً في شهر آذار من نفس العام، وتجول آلاف الناس في الشوارع والأزقة يرددون: (لانريد القيصر، نريد الحرية، يعيش الشعب...).
    اشتدت نيران الثورة في بداية شهر آذار ، وكان القوزاق والجنود الذين يرسلهم القيصر إلى هؤلاء الجمهرة ينضمون إليهم، ويحاربون شرطة القيصر. . . لم يبق سبيل أمام القيصر... وسقط القيصر عن عرشه الذهبي.
    ومع سقوط القيصر، وجهت ضربة اقتصادية وادارية إلى الطبقة الرأسمالية، وجرت انتفاضة آذار بقوة القرويون والجنود فقط ... بدأت ثورة تشرين الأول بعد ثمانية أشهر، وانتصر البلاشفة في كل الاماكن، وتأسست حكومة بلشفية بزعامة لينين . وفي نفس الوقت أسس أهل المدن والبرجوازيون حكومة بقيادة الأمير لغوف وميلكوف. نشر لينين برنامجه المتضمن من عشرة بنود في نيسان . فجّر البرنامج الوضع في روسيا كقنبلة ثم بدأت ثورة تشرين الثاني، أراد لينين أن ينهي الوضع لصالحه في أيلول، لكنه طهر البلاد منهم في شهر تشرين الأول، انهارت الامبراطورية الروسية الظالمة، وأسس بدلاً عنها اتحاد الشعب السوفيتي.
    اشتهر لينين في العالم أجمع خلال ثمانية أشهر، فازدادت واجبات لينين وكثرت مهامه في السنوات الأخيرة، لكن للأسف امتدت إليه يد المنية.
    استلم قيادة البلاد السوفيتية بعد لينين الزعيم ستالين، وقد حوّل هذا الرجل الفولاذي بلاد السوفيت إلى جنة ونعيم، قدم لهم وسائل الرفاه والسعادة. يحصل اليوم في السوفيت كل امريء على قوته حسب عمله واحتياجاته. . . فالإنسان حر، لايتجرأ أحد أن يظلم الآخر أو يقسو عليه. . . لاتقاس الحاجيات بالعظمة والشيخوخة والأبوة ، بل تقاس بالاعمال المقدمة.
    يوجد الآن بين الشعوب السوفيتية اتحاد قوي، لا فرق بين القوميات الصغيرة والكبيرة، من الناحية القومية والدينية. كل شعب يتكلم بلغته ويكتب بلغته ويقرأ بلغته. ولايمكن لأحد أن يحتقر القوميات الأخرى، بل يعاقب كل من يخالف هذا الأمر .
    * * *
    توجد عدة قرى كردية في بلاد السوفيت، وقد حصل الأكراد على حقوقهم القومية والدينية ، بحيث توجد في كل قرية مدرسة وكولخوز كردي، وتصدر صحيفة رسمية تدعى (ريا تازا Riya Teze )، وهناك دار المعلمين وجامعة. ويصدر أعضاء الجمعيات مئات الكتب الكردية، نتمنى لهم الحرية، ومزيداً من التقدم.
     
  13. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    ______________________________________________
    *مجلة روناهي العدد /28/ السنة 1945 الصفحة 23، 24 .
    الخاتمة / النهاية
    عندما يكون المرء غير راض عن نفسه، ويشك في مستقبله، فيلتفت إلى الوراء، ويتمعن في أيامه الماضية كعجوز مهترىء يقلب صفحات حياته ولايريد الموت، لكن يفكر في أيامه الماضية، يتذكر شبابه وطفولته، هكذا يعزي نفسه .
    لقد أصبحت أنا مثل أولئك العجائز، أصبحت شاباً عجوزاً أتأمل مستقبلي وما يخبئه لي الأيام القادمة، سراب وشكوك، يلفني الآن ضباب وغبار. أتذكر مثل ذلك العجائز البالية الرثة أيضاً الذين قضوا أيامهم الماضية وخاصة أيام الطفولة، تصدر آلاف الحسرات والآهات من قلبي، واستمد منها لذة النفس، أجمع اليوم أشتات الأوراق الممزقة من تاريخ حياتي، أحاول إعادة ترتيبها، كي أصنع منها كتاب السعادة. تتنوع صفحات كتابي وتتعدد من القسم والذنب، والايام الماضية والنهاية (الخاتمة) لتشكل مجموعة صفحات يضم في كتابي الحزين، ويزداد الكتاب غنىً وتنوعاً، ورغم ذلك تبقى صفحات ممزقة، والخاتمة صفحة من تلك الصفحات.
    حدث ذلك قبل خمس وعشرين سنة خلت تعداداً بالاسابيع والأشهر والسنوات:حدث فجأة داخل بيتنا خبر أو نبأ شاع وانتشر. توفي أخي فتحي بعد مرض قصير جداً دام ثلاثة أيام وفتح باب العزاء، وأنتشر البكاء، كان فتحي يصغرني ببطن واحد فقط، يصغرني بـ سنة ونصف سنة كان ضخماً ذا عيون سوداء، وسحنة بيضاء، أطول مني قامة.
    تأثرت بموته أكثر من أي شخص آخر، لأنني كنت أحبه كثيراً، وكنت أعتبر نفسي مذنباً تجاهه ومسؤولاً عن موته.
    توجد عادة في بلادنا، بحيث تجمع كل عائلة الفواكه الصيفية والخريفية، وتحفظها في الدنان والخوابي، وتحكم اغلاق الفوهة، ثم يخرجونها في رأس السنة، لا تذبل الفواكه ولا تيبس (تجف)، بل تبقى طازجة وطرية . جمعنا نحن أيضاً الفواكه الصيفية، وحفظناها في تلك السنة، وقد ملأنا ثمانية دنان كبيرة، وأغلقنا أفواهها باحكام، توافد الأصدقاء والعائلة أجمع إلى بيتنا في رأس السنة، وانتظر الاطفال الصغار بفارغ الصبر ورغبة ملحة أمام فتح مراسيم الدنان. عندما دخلت والدتي إلى مخزن المونة، فرأت دناً مفتوحاً وفارغاً من محتوياته، خرجت فوراً، وأمسكت بكتفي ثم هزتني غاضبة ، وقبل أن تسألني عن أي شيء بعد! قلت لها :(فتحي، فتحي هو الذي فتح الدن، ووزع الملبن على أولاد الحارة...) لم يكن فتحي موجوداً في البيت، بل كان ذاهباً إلى عمته في رأس السنة، وعندما عاد، أمسكته والدتي دون سؤال وصفعته بقوة على وجهه، لم يكن يعرف المسكين شيئاً، فبكى بصمت عميق. لكن في الحقيقة أنا الذي كنت قد فتحت الدن، سحبت ما في داخله من الملبن تدريجياً بيدي، لكن لم آخذه لنفسي، بل للحكواتية المذنبة (المرأة التي كانت تروي لنا الحكايات): خجة.
    كانت خجة تروي لنا الحكايات.... لديها طفلان يتيمان، ابنها وابنتها، كانت خجة تدبر أمور معيشة طفليها ومعيشتها عن طريق رواية الحكايات، كانت غرفتها تمتليء في الليالي الشتائية من الأطفال أمثالي ذوي الأعمار /6 ـ 7/ سنوات، وكنا نحن الذين نقدم لها الطعام والشراب والسجائر والأقمشة، وقد كنت مكلفاً بتقديم الفواكه الشتائية في تلك السنة، كنت أخدع والديّ في كل ليلة وأتحجج بأنني سأذهب إلى صديقي خورشيد في المدرسة. وسأدرس معه دروسي، كنت أمر من دهليز ضيق ومظلم إلى المستودع، وأملأ جيوب جاكيتي ومعطفي بالملبن والباقسمة، وأفرغها أمام خجة التي ستروي لنا الحكايات. كانت خجة تقول لي دائماً:(أحسنت ياولدي، أحسنت) لم تبدأ خجة برواية الحكايات مالم يكتمل عدد مستمعيها، كانت تتجول بنظراتها حولها وتقول :
    ـ هل سادو هنا ؟ أين رمو ؟ لماذا تأخر جمو ؟.
    يحضر المستمعون الواحد بعد الآخر، ثم تبدأ هي برواية الحكايات، لا تمل خجة ولا تتعب من رواية الحكايات، ونحن أيضاً بدورنا لا نشبع (نرتوي) من الحكايات، تخفض صوتها في بداية الأمر، ثم يرتفع صوتها تدريجياً، كنا نتمدد على الأرض كي نسمع الحكايات بشكل جيد، وأحياناً نريد أن نقترب منها، وبعد أن يرتفع صوتها لم نكن بحاجة إلى الاقتراب، كلما تحمست خجة شَدتْنا إليها، وتنتقل روح العدوى إلينا، كانت أيدينا تتحرك دون علم منا، فتتحول الغرفة إلى حمام ساخن من شدة حرارة النار وزفير الأولاد. تشعل خجة السيجارة تلو الآخرى، وتسحب نفثاً منها بعمق، تخرج الدخان من أنفها وتقول بعد ذلك:نعم ، إلى أين وصلنا:(كان الأمير محمد شاباً في العشرين من عمره، رأى في حلمه ابنة ملك الجان، فتخلى عن الحياة من أجل حبها، وهام على وجهه في البراري، صادفه في الطريق سبعة عفاريت، شهر الأمير محمد سيفه ذا الحدين وقطع رؤوسهم الواحد تلو الآخر).
    كانت خجة تروي لنا حكايات الجان والعفاريت، والحوريات والافاعي، وكنا نستمع إليها بصمت قلباً وقالباً، ونندهش من قوة أبطال هذه الحكايات.
    كنت أحب كثيراً حكايات العفاريت ، وأقول لنفسي: آه ياليتني، أصبح ذات يوم مثل الأمير، وأصبح بطلاً لحكايات العفاريت، وليكن لي سيفٌ ذو حدين، كانت روحي تهتز لسماع هذه الأساطير، وكان قلبي يرتعش بهذه الحكايات .
    بعد أن ضُرِب فتحي من قبل والدته، ذهب بصمت إلى زواية الغرفة وجلس فيها وتأثر ، تغير وجه فتحي وانتابته حمىً ساخنة، لم يستطع أن يتحرك من الفراش، واشتدت الحمى عليه في صباح اليوم التالي، لم يستطع الكلام وقد انعقد لسانه، أحضر والدي له الطبيب، فكتب الطبيب الأدوية وقال: (لاتقلقوا، إنه مرض خفيف من نوع الكريب). لكن للأسف لم يفتح أخي العزيز عينيه ورحل عن الدنيا في اليوم الثالث، وتركنا في البكاء والنحيب والتعزية. نعم، مضت خمس وعشرون سنة، ومازالت هذه النهاية الحزينة تسمم حياتي وتقلقني، وأنا بدوري أدعو على تلك العجوز التي كانت تروي لنا الحكايات بألف مصيبة وكارثة في نفسي. لكن، إن كانت ـ تلك العجوز ـ حية ترزق، فلدي الرغبة الجامحة أن أرها ثانية وأقول لها:
    ـ أنا أيضاً وقعت في الحب، حاولي أن تحشريني في الاماكن الضيقة والمظلمة، دخلت أنا إلى عالم العفاريت والافاعي، وأحاربهم، لكن ينقصني شيء واحد فقط هو السيف ذو حدين كسيف الأمير محمد .
    14/4/1943 ـ الجديدة
     
  14. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    _____________________________
    *مجلة روزانو العدد/ 2 / السنة 1943 الصفحة 4.
    نادي النصر (سركوتن)
    الصوت الحيوي
    نشرت جريدة (J,n) الكردية الصادرة في السليمانية مؤخراً مقالاً قيماً حول نادي النصر التي يصدرها الشاعر والأديب الكردي توفيق بك (بيرمرد) مقتبسة من مجلة كلاويز ـ المجلة الكردية ـ التي يصدرها مجموعة أقلام كردية متعلمة في بغداد. حول نادي النصر أطلعنا على بعضها، بصراحة إن هذه الجمعية قد تأسست منذ زمن وقد تراجعت أعمالها قليلاً خطت في الفترة الأخيرة بحب و اشتياق خطوات منسجمة باتجاه اهدافها.
    هذا الصوت الحيوي النشيط يخرج من قلوب صافية وأفواه أمينة، سينظف طبقات الصدأ التي تراكمت في آذان الأكراد الجهلة، وتملأ قلوبهم الخاوية بالآمال والاحلام. تلمع هذه الاضاءة من مشاعل المتعلمين، تلك المشاعل التي تبرق أمام علماء المعرفة ورجال الأمة أمثال أمين زكي، رفيق حلمي، علي كمال ومعروف جياوك بك قد قبضوا عليها، سيمحى الظلام والضباب الذي خيم على بلادنا، وتزول الغمامة والضباب التي خيمت على جبال زاغروس، وتملأ عيونهم المحرومة منذ سنوات والتي تبحث عن النور بضياء الشمس.
    * * *
    نرى في الفترة الأخيرة في كل عدد من أعداد كلاويز قائمة بأسماء المتبرعين ورجال الأكراد الكرماء، يقدم كل واحد لجمعيته أربعين أو خمسين، أو خمسة وخمسين ديناراً، ادام الله سخاءهم، وبيّض الله وجوههم. يقول المثل:(خبىء قرشك الأبيض ليومك الأسود). نحن اليوم ـ الأمة الكردية ـ تأخرنا عن مواكبة الحضارة في كل المجالات، يجب علينا أن نستيقظ نحن أيضاً ونساعد بعضنا يداً بيد وكتفاً بكتف، ونغذي طريق الحياة كي نصل إلى هدفنا ومرادنا .
    _______________________________________
    *جريدة روزا نو العدد /19/ السنة 1943 الصفحة 1 .
    خاتم سليمان
    آه..يا استاذي، ياليتني أمتلك تلك القدرة / الملكة الشعرية التي كنت تمتلكها، لكنت اليوم صوّرت الجمرات والنار المتأججة في داخلي... ياليت .
    كم هو قاس أن أقطع آلاف الجبال والبحيرات، واجتاز آلاف السهول والوديان وأصل إلى هنا، لأستقر في مكان، مثل هذا المكان، وتذبل فيه وردة شبابي، وأطفىء فيه شمعة الفتوة أيضاً، وأقدم عصارة تفكيري لأولاد زيد وعمر وهم يشربون منها. كتبت سبب وحكمة هذا السر في الأيام الماضية، فاليوم لا أريد أن أعود اليها .
    * * *
    صرفت اليوم بعد الظهر تلاميذ مدرستي، أردت أن أخرج الى ظاهر القرية فترة، وأبدد قلقي وأرفه عن نفسي المتضايقة. كنت أتمشى بهدوء على الطريق، أراقب من حولي، يؤخرني منظر جميل أينما وجدته، كنت أنظر إليه بحسرة وآهة وأتذكر وطني الأخضر، وتلك الجبال الملونة تمر أمام ناظري .
    كنت أمشي في الطريق دون هدف ولا إرادة، لا أعرف ما يجري، فجأة تعلقت قدمي بشيء، عندما انتبهت إليه، جفلت، وتراجعت من فوري، كان شكلاً يشبه شكل الفطر، لكن لم يكن حجراً يشبه لونه أي الالوان التي نعرفها، بل كان جسماً غريباً بلون عجيب.
    عندما انتبهت إليه اجفلت، لأننا كنا نسمع دائماً أو نقرأ في الصحف، أن رجلاً وجد شيئاً في المكان الفلاني، أو في المنطقة الفلانية، ثم انفجر في يده، ومات حامله أو أنه قد جرح.
    ما أعرفه من معارك اليوم، أن الأرض والسماء وكل الأماكن قد زرعت بالالغام، فانتابني الخوف عندما رأيت هذا الجسم الغريب ، قلت لنفسي قد تكون قنبلة أو لغماً، وكلما تمعنت النظر فيه، كنت أتراجع خطوة، عندها أدركت أن الروح غالية وثمينة، وكيف يتمسك الانسان بالحياة، بعد ذلك بقيت فترة، أن تلك الروح التي تشيخ وتهترىء دون فائدة ودون سبب في جديدة عرطوز ما الفائدة منها؟ قلت لنفسي:(فليكن ما يكون) التقطت ذلك الجسم الغريب، وتحسسته بين يدي، عندها سرى تيار كهربائي من قمة رأسي والى أسفل قدميّ سرياناً صعوداً وهبوطاً، وتحولت الدنيا أمام ناظري إلى ضباب ودخان، ثم تلاشى الضباب تدريجياً ، وظهر (لاح) عوضاً عنه كائنان أسودان ـ ديو ـ عفريت ـ يحملان سيفاً في ايديهما، وسألا:
    ـ هل ندمر العالم إن كنت ترغب ؟
    كنت قد سمعت في الحكايات عن بعض الأساطير الخيالية لكن لم أتذكر يوماً من الأيام أنها ستحدث معي مثل هذه الحكايات، رغم أنها حدثت أمام عيني لكنني في الحقيقة كنت أشك فيها، اندهشت امام هذه المصادفة العجيبة صراحة، وتلفت يميناً ويساراً، ثم تمالكت نفسي، قبل أن أجيب على سؤال الكائنين، بادرتهم بالسؤال:
    ـ ما هذا الذي أحمله بيدي؟
    قالا لي: خاتم سليمان، هل ندمر العالم إن كنت ترغب؟.
    ـ لا، أرجوكما، لتبق الدنيا كما هي عليه، لكن أين حضرة سليمان ؟ أمسك كل واحد بيدي وقالا: (أغمض عينيك، بينما أغمضت عيني، وفتحتهما، وجدت نفسي في حضرة النبي سليمان ملك الانس والجان ، فقد كان جالساً على عرش ذهبي، وكانت بلقيس تقف في الطرف المقابل له، وتحمل في يدها كأساً من ماء الكوثر، تقدم لعابدها. ويشرب من ماء الكوثر نقطة نقطة. ثم التفت النبي سليمان إلي وقال:
    سرق جني يدعى(سيدو)مني هذا الخاتم منذ ألفي عام ، وها قد اعدته اليّ اليوم، اطلب مني ماتريده الآن.
    كنت أعرف من قبل أن النبي سليمان هو ملك الحيوانات في العالم، وقد تملكتني رغبة في تعلّم لغة الحيوانات منذ القديم ـ قلت له :
    ـ أرجو من حضرة جنابك أن تعطيني مفاتيح حظائر الحيوانات، ومفاتيح طلاسم اللغة ولهجاتها.
    لم يستهجن حضرة جناب النبي ماطلبته منه، بل أمر فوراً جنياً ما، فأحضر الجني لي مرادي وطلبي. دخلت إلى حظائر الحيوانات، كانت الطيور تفر من أمامي رفوفاً في كل الجهات، وتتجول قطعان الحيوانات معاً، تحدثت مع غالبيتهم، فرحت من بعض الحيوانات وغضبت من الأخرى، وافترقت عنهم. تأثرت للبعض كالخراف والثيران والأرانب، وحقدت على البعض الآخر كالافاعي والعقارب والذئاب الشرسة، والثعلب وابن آوى.
    لم يأذن لي حضرة جناب النبي أن أذهب في ذلك اليوم، لأن البوم والهدهد سيحاكمان في اليوم الثاني، قال لي النبي سليمان :(يجب أن تحضر هذه المحاكمة) لذا بقيت أيضاً.
    عندما حان وقت المحكمة جلس البوم والهدهد على كرسي الاتهام بجانب بعضهما، قال حضرة النبي سليمان للبوم: جميع الحيوانات يشتكون منك، يقولون:( إن هذا الطائر هو طائر يجلب الشؤم والدمار وليس له فائدة، أينما يقف أو يقرأ، يدمر المكان الذي حط عليه). ماذا تقول أنت ؟
    نهض البوم ذو الرأس الكبير والعيون الصفراء (يبدو عليه أنه لايفيد بشيء من السيادة) بتثاقل على قدميه وقال: ياملكي، أنت تستمع لكلام الديدان وصراصير الحقول، هم صيدنا منذ قديم الأزمان ، النمل الصغير والكبير عبيدنا أيضاً، لايحق لهم أن يشتكوا ويحاكمونا.
    نهض وكيل النمل عامة، وقد تذكر فراخه(تلك الفراخ التي اكلته البوم في عشه) الصغير، سال بعض نقاط الدم من منقاره، وسحب حسرة من القلب ثم قال:
    أفتح عينيك أيها الأفندي، نحن جيل القرن العشرين، لم يعد هناك عبد ولا سيد بعد اليوم، كل واحد يملك حريته، ارم هذه الفكرة الهرائية من رأسك . لتر عيناك ضياء الشمس، أنا اليوم أطالبك بدماء تلك الفراخ غير المذنبة)، جرت محادثة قوية وطويلة بين الأثنين من Murxan الطيور، كنت أنتظر بشوق ورغبته إلى حكم حضرة جناب الحاكم ، لكن للأسف، ايقظني بكاء طفلي الصغير الذي تجاوز الستة أشهر من النوم.
    انذاك كان البوم يصدر صوته فوق جدار مهدم ، وفي واد عميق وبعيد أيضاً كان الهدهد يصدر صوتاً حزيناً وأنيناً.
    الجديدة 27 /10/1943
     
  15. kobani

    kobani KobaniTeam طاقم الإدارة

    *جريدة روزا نو العدد /39/ السنة 1944 الصفحة 4.


    الثعلب الماكر


    علق ثعلب، طبلاً في رقبته، وقف أمام منزله، قرع على الطبل وقال:خبر عظيم... عرس كبير... برنامج عجيب... لعبة الفئران... معركة السلحفاة... غناء الشحرور، هيا انهضوا !لاتدعوا فرصة غنية ومتنوعة أن تفوتكم، تعالوا... تعالوا... (صوت الطبل، دم... دم... دم... دم ) الدخول للصوص والحجل مجاناً، هيا انهضوا. . .


    سمع حجل وصوص صوت الطبل وجاءا . قال الحجل للصوص:


    ـ تعال، لنحضر هذا الاحتفال، لأنه لا يتطلب نقوداً.


    عندما دخلا قال الثعلب :


    ـ هيا تعالا. . . تعالا. . . سآكلكما، وقعتما في فخي .


    بدأ الحجل والصوص بالبكاء وقالا :


    ـ اعف عنا أيها العم ثعلب.


    قال الثعلب:


    ـ فاليوم لايهم ، يوجد لدي فطور وعشاء، سآكلكما غداً.


    وضع الثعلب حجراً أمام باب المنزل ثم خرج يتجول.


    أزاح الصوص والحجل بمنقاريهما الحجر من الباب، خرجا ثم هربا. قال الصوص للحجل هذه المرة! ـ لن نخدع ثانية.









    ________________________________________


    *القراءة الكردية، 1938، الصفحة:45.


    *وصلتنا هذه القصة الفولكلورية للكاتب قدري جان من الاستاذ عزالدين ملا ـ مشكوراً ـ .
     
  16. علي نوح

    علي نوح New Member

    رد: الكاتب الكردي قدري جان - قصص ومقالات




    السلام عليكم ورحمتوه وبركاتوه


    شكراااا لكم اخواني واخوتاتي على الموضوع الجميل والرائيع ..... دام الابداع هنا والازدهار ...

    نورتم المنتدى بتواجدكم ومواضيعكم الجميلة .. الى الامام معنا ...

    تحياتي لكم

    محبكم ...
    علي نوح
     
  17. كلبهار

    كلبهار مراقبة عامة

    هور يانعه في بساتين المنتدى نجني ثمارها من خلال الطرح الرائع لمواضيع اروع
    وجمالية لا يضاهيها سوى هذا النثر البهي
    فمع نشيد الطيور
    وتباشير فجر كل يوم
    وتغريد كل عصفور
    وتفتح الزهور
    اشكرك من عميق القلب على هذا الطرح الجميل
    بانتظار المزيد من الجمال والمواضيع الرائعه
     

مشاركة هذه الصفحة